تشهد الأيام الحالية حراكًا مكثفًا على جانبي معبر رفح الحدودي، مع بدء الاستعدادات الفعلية لتشغيله أمام حركة الأفراد الأسبوع المقبل، وفق ما أكدته مصادر مسؤولة في محافظة شمال سيناء ومصادر فلسطينية معنية بإدارة المعبر. عودة العمل بالمعبر، التي تأتي بعد شهور من الحرب والدمار في قطاع غزة، لا تبدو مجرد خطوة إجرائية تتعلق بمرور المسافرين، بل جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، ترتبط باتفاق وقف إطلاق النار، وبنقاشات نزع سلاح حماس، وبالدور الجديد الذي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرضه عبر ما سُمّي بـ "مجلس السلام".
ورغم أن المشهد الميداني يحمل بصيص أمل لعشرات آلاف الفلسطينيين الراغبين في السفر للعلاج أو الدراسة أو العودة إلى بيوتهم المدمَّرة، إلا أن تفاصيل الاتفاق، وطبيعة الدور الدولي والإقليمي، وشروط الاحتلال الإسرائيلي، تطرح أسئلة صعبة حول طبيعة "الاستقرار" المنتظر في غزة، وحدود السيادة الفلسطينية، ومدى قدرة هذه الترتيبات على حماية حقوق السكان، لا سيما في ظل استبعاد فعلي لأي تمثيل حقيقي للمقاومة أو حتى لمختلف القوى الفلسطينية في صياغة المراحل اللاحقة.
ترتيبات ميدانية وأمنية لعودة الحركة عبر المعبر
بحسب مصادر فلسطينية مطلعة، وصلت إلى مدينة العريش في الأيام الأخيرة عناصر من جهاز المخابرات الفلسطينية لتولي مهامها في الجانب الفلسطيني من المعبر، بالتوازي مع وصول قوة أوروبية تتبع بعثة الاتحاد الأوروبي، في استدعاء واضح لتجربة الإشراف الأوروبي التي طُبّقت بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة في 2005.
الاتفاق الحالي، كما توضحه المصادر، يقوم على آلية عبور محدودة ومراقَبة بشدة: السماح بخروج مئة شخص يوميًا من قطاع غزة، مقابل دخول خمسين شخصًا فقط إليه. ويُمنح الجرحى وأصحاب الأمراض الخطيرة أولوية العبور خلال الشهر الأول، على أن تُخصص الأولوية في الشهر الثاني للطلاب وحملة الجنسيات الأجنبية، في محاولة لترتيب "قوائم الأولوية" وفق معايير إنسانية ظاهرًا، لكنها تعكس أيضًا ضيق الهامش المتاح أمام مئات الآلاف من الراغبين في الحركة.
أما الراغبون في العودة إلى القطاع، فسيُطلب منهم التسجيل عبر رابط تعلنه السفارة الفلسطينية في القاهرة، ثم تُرسل يوميًا قوائم بأسماء خمسين شخصًا للجانب المصري، لترتيب نقلهم عبر حافلات مخصّصة إلى داخل غزة. هذه الآلية تجعل من السفر عملية بيروقراطية معقدة تتطلب موافقات متسلسلة، وتُبقي مصير آلاف الحالات معلقًا على قرارات سياسية وأمنية خارج إرادتهم.
في المقابل، عزز الاحتلال الإسرائيلي قبضته الميدانية عبر إقامة نقطتي تفتيش على الجانب الفلسطيني، بحيث تمر حركة الدخول والخروج عبر مسار شاحنات المساعدات، مرورًا بمعبر كرم أبو سالم للتفتيش. عمليًا، يعني ذلك أن إسرائيل ستظل تتحكم في "عنق الزجاجة" لكل ما يدخل أو يخرج من غزة، حتى وإن بدا ظاهر الصورة أن المعبر يعمل بين مصر والسلطة الفلسطينية والبعثة الأوروبية.
هذه الترتيبات جاءت بعد مماطلة إسرائيلية طويلة في الموافقة على فتح المعبر خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، حيث ربطت تل أبيب أي انفراجة في الحركة بقضية المحتجزين في غزة. ولم يتحرك الملف إلا بعد إعلان جيش الاحتلال العثور على الجثمان الأخير للمحتجزين، لتُفتح الطريق سياسيًا أمام الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق.
نزع سلاح حماس ومجلس “السلام”: بين الإعمار وتكريس الوصاية الدولية
سياسيًا، تبدو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار أكثر تعقيدًا من مجرد فتح معبر أو إدخال كرفانات سكنية. فبحسب المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، من المفترض أن تشمل هذه المرحلة الانسحاب الإسرائيلي من مناطق واسعة في القطاع، وبدء عملية إعمار وإدخال الكرفانات والمساعدات بصورة أوسع، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وضع شرطًا سياسيًا ثقيلًا: لا إعمار حقيقي قبل نزع سلاح حركة حماس.
هذا الشرط يجد صداه في مواقف متكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا في أكثر من مناسبة، مع نتنياهو، إلى نزع سلاح الحركة باعتباره "مدخلًا إلزاميًا" لأي تسوية أو وقف دائم للحرب. ووفقًا لما يُطرح في الكواليس، فإن قوة دولية متعددة الجنسيات ستتولى عمليًا مهمة نزع السلاح وفق آلية متفق عليها، بينما تُناط باللجنة الوطنية الفلسطينية مهمة تشكيل قوة شرطية محلية، وحفظ الأمن الداخلي، وتوفير الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية والمواد الخام.
الكاتب والمحلل السياسي سفيان أبو زايدة يشير إلى أن القرار في غزة بات مرتبطًا بشكل متزايد بـ "مجلس السلام" الذي أعلنه ترامب، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا بين من رأى فيه إطارًا لتصفية القضية الفلسطينية وشرعنة الاحتلال، وبين من اعتبره مجرد محاولة أمريكية لإعادة تدوير الوصاية على غزة تحت شعار "الاستقرار". أبو زايدة يقدّر أن عملية نزع السلاح – إن تمضي فعليًا – قد تستغرق بين ثلاثة إلى ستة أشهر، ويذهب إلى حد القول إن حماس أبدت استعدادًا للتجاوب مع هذه الترتيبات مقابل ضمانات تتعلق بالأمان الوظيفي والشخصي لكوادرها.
في المقابل، تُصر أوساط داخل الحركة على أن التخلي عن السلاح غير وارد طالما استمر الاحتلال، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية يجب أن تتعامل مع جوهر القضية: إنهاء الحصار والاحتلال، وضمان حقوق الفلسطينيين السياسية والوطنية. هذا التناقض بين الرؤى، إلى جانب استمرار المماطلة الإسرائيلية وغياب تمثيل فلسطيني متوازن داخل مجلس "السلام"، يجعل مستقبل الاتفاق رهينًا لضغوط الوسطاء الإقليميين، وعلى رأسهم مصر وقطر وتركيا.
ومع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلية المقررة في سبتمبرالمقبل، يبدو أن استقرار غزة – إن تحقق – لن يكون حصيلة اتفاق عادل بقدر ما سيكون نتاج توازنات سياسية داخلية في إسرائيل وحسابات انتخابية، إلى جانب إدارة أمريكية تسعى لتسجيل "إنجاز دبلوماسي" جديد. وبين أمل الفلسطينيين في فتح معبر حياتهم الوحيد، وحسابات القوى الدولية والإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يُعاد فتح معبر رفح كبوابة لحرية الحركة، أم كبوابة لترتيبات جديدة تُكرّس الوصاية على غزة بثوب مختلف؟

