يكشف مسار الحرب الجارية منذ 28 فبراير 2026 أن الضربات لم تستهدف منشآت وقدرات عسكرية فقط، بل ذهبت مباشرة إلى رأس النظام الإيراني ودائرته الأمنية الصلبة. في اليوم الأول قُتل علي خامنئي، وأكدت وسائل إيرانية رسمية مقتله كما نقلت ABC وABC News. ثم توالت الضربات على شخصيات في الأمن والدفاع والحرس الثوري. المعنى السياسي صار واضحًا: الدولة التي ترفع شعار الردع فشلت أولًا في حماية قمتها.

 

في الحصيلة التي ظهرت منذ بداية الحرب، أكدت إيران مقتل علي خامنئي، وعلي شمخاني، ومحمد باكبور. وفي القوائم التي نشرها الجيش الإسرائيلي ونقلتها ABC ضمن قتلى الضربة الأولى أو ما تلاها مباشرة وردت أسماء عبد الرحيم موسوي، وعزيز نصير زاده، ومحمد شيرازي، وحسين جبل عامليان، ورضا مظفري نيا، وصالح أسدي. ثم جاءت ضربة 17 مارس لتقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ومعه ابنه مرتضى، كما قُتل غلام رضا سليماني قائد الباسيج، وأكدت إيران مقتل لاريجاني بينما أعلن الجيش الإسرائيلي قتل سليماني.

 

ضربات الرأس لا تبدو صدفة

 

هذا التسلسل لا يشبه استنزافًا عسكريًا عاديًا. هو أقرب إلى سياسة قطع رأس منظمة. الاستهداف بدأ من الأعلى، ثم تحرك أفقيًا داخل مؤسسات القرار والأمن والبرنامج العسكري. قتل خامنئي في 28 فبراير لم يكن مجرد ضربة صادمة. كان إعلانًا بأن الخصم يملك بنك أهداف يصل إلى الحلقة الأشد سرية. وقتل لاريجاني بعده بأيام أكد أن الاختراق لم يكن لحظة عابرة في بداية الحرب، بل قدرة مستمرة على التتبع والوصول والضرب داخل عمق النظام.

 

د. سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، رأت في التقدير المبكر للحرب أن الضربات التي بدأت في 28 فبراير فتحت مرحلة تستهدف بنية الحكم نفسها لا مجرد أدواته. أهمية هذا التقدير أنه يفسر لماذا لم تتوقف العمليات عند المواقع النووية أو منصات الصواريخ، بل انتقلت سريعًا إلى مركز القيادة. حين يصبح رأس النظام نفسه هدفًا في اليوم الأول، ثم تتبعه أسماء من وزن لاريجاني، فالمشكلة لم تعد في شراسة الهجوم فقط، بل في عمق المعرفة المسبقة بحركة الدولة الإيرانية.

 

الاختراق هنا سياسي قبل أن يكون أمنيًا

 

القراءة الأخطر ليست عدد القتلى، بل نوعية الأسماء. علي لاريجاني لم يكن مجرد مسؤول كبير. AP وصفته بأنه كان يُعتقد على نطاق واسع أنه يدير البلاد بعد مقتل خامنئي، وأنه ظل لاعبًا محوريًا في ملف التفاوض والاستراتيجية. اغتياله داخل هذه اللحظة المعقدة لا يعني خسارة رجل فقط، بل خسارة نقطة وصل بين المؤسسة الأمنية والسياسية والدبلوماسية. وعندما يُقتل هذا المستوى من الرجال تباعًا، فالأمر لا يعود خللًا عملياتيًا محدودًا. يصبح دليلًا على اختراق أعلى طبقات القرار.

 

جوناثان إم. وينر، في تحليله بمركز الشرق الأوسط، وضع عنوانًا بالغ الدلالة: “أسئلة استخبارية” مع دخول الحرب مرحلة أكثر غموضًا. وهذا بالضبط ما تكشفه الوقائع. إسرائيل والولايات المتحدة لا تتحركان فقط بقوة نارية، بل بمزيج من التتبع والرصد والمعرفة المسبقة بالمسارات الحساسة. لذلك تبدو الضربات ضد القادة أخطر من أثرها العسكري المباشر. هي تضرب الثقة داخل النظام. وتدفعه إلى الشك في أجهزته، وفي دوائر الحماية، وفي قدرة مؤسساته على ضبط التسرب من الداخل.

 

اللافت أن هذا الاختراق وقع بينما كانت طهران لا تزال تملك القدرة على الرد العسكري. AP وثقت أن إيران ردت بعد مقتل لاريجاني بإطلاق صواريخ متعددة الرؤوس على إسرائيل، كما وسعت هجماتها إلى دول خليجية ومسارات ملاحة مرتبطة بمضيق هرمز. لكن بقاء القدرة على إطلاق الصواريخ لا يمحو حقيقة أخرى: يمكن للنظام أن يضرب خصومه، لكنه لم ينجح في منع خصومه من اصطياد كبار رجاله واحدًا بعد آخر. هنا تظهر فجوة المعركة. نجاح في الإيذاء العسكري. وفشل في الحماية السياسية والأمنية.

 

قوة النار لا تستر عطب الدولة

 

باربرا سلافين، الباحثة البارزة في ستيمسون، قالت في 5 مارس إن هياكل الحكم المركزية في إيران بقيت قائمة رغم الاغتيالات المبكرة، وإن الحكومة ليست على وشك الانهيار السريع أو الاستسلام. هذه الملاحظة مهمة لأنها تمنع الاستنتاج الساذج بأن اغتيال القادة يعني سقوطًا وشيكًا. لكن أهميتها الصحفية أكبر من ذلك. فهي تقول إن النظام لا يزال واقفًا، نعم، لكنه واقف وهو ينزف من القمة. أي أنه يحتفظ ببعض أدوات السيطرة، بينما تتآكل صورته كدولة منيعة من الداخل.

 

ولهذا فإن الرواية الأدق ليست أن إيران انتصرت لأنها ما زالت تطلق النار، وليست أنها انهارت لأنها فقدت رجالًا كبارًا. الرواية الأدق أن الحرب منذ 28 فبراير 2026 كشفت حدود القوة الإيرانية كما لم يحدث من قبل. قُتل المرشد. ثم سقطت أسماء من قلب المؤسسة الأمنية والعسكرية. ثم وصل الاغتيال إلى الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره مدير الدولة في زمن الحرب. هذه ليست خسائر منفصلة. هذه سلسلة تقول إن الاختراق الاستخباري وصل إلى أعلى المستويات السياسية، وإن النجاحات العسكرية الإيرانية لم تعد قادرة على ستر عطب الدولة أمام جمهورها وخصومها معًا.