شنت إيران على إسرائيل اليوم الأربعاء 18 مارس 2026 هجوما قويا مؤكدة أن الحرب لم تعد مجرد تبادل ضربات بين جيشين، بل صارت معركة استنزاف مفتوحة تضرب الداخل الإسرائيلي نفسه، من صفارات الإنذار إلى الملاجئ إلى البنية التحتية المدنية، مع سقوط قتيلين قرب تل أبيب وإصابة آخرين، وتضرر محطة السكك الحديدية الرئيسية في تل أبيب، وامتداد حالة الذعر إلى الوسط الإسرائيلي كله، بينما تؤكد الوقائع أن طهران لم تعد تراهن فقط على عدد الصواريخ بل على نوعها أيضًا، خصوصًا الصواريخ متعددة الرؤوس وما يشتبه في أنه ذخائر عنقودية أو شظايا متناثرة على مساحة أوسع من هدف واحد.

 

الهجوم الذي وقع اليوم جاء بعد اغتيال علي لاريجاني وغلام رضا سليماني في ضربات إسرائيلية، وهو ما دفع إيران إلى رد قالت تقارير وكالة أسوشيتد برس إنه شمل صواريخ متطورة متعددة الرؤوس استهدفت وسط إسرائيل، وأدى إلى مقتل شخصين قرب تل أبيب، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية عن أضرار لحقت بمواقع في رامات غان وبني براك، وعن توقفات واضطراب في الحركة حول محطة سافيدور المركزية، ما يعني أن الضربة لم تكن صوتًا في السماء فقط، بل أثرًا مباشرًا على الحياة اليومية والبنية المدنية والقدرة على الحركة داخل المركز الإسرائيلي.

 

صواريخ أقل عددًا وأشد إزعاجًا

 

المشكلة في هجوم اليوم ليست فقط عدد المقذوفات، بل أن إسرائيل نفسها لم تعلن حتى وقت النشر رقمًا نهائيًا رسميًا لعدد الصواريخ والمسيرات التي أُطلقت عليها في ضربة الأربعاء وحدها، وهو ما يجعل أي رقم قاطع عن هجوم اليوم وحده عرضة للمبالغة، لكن الصورة الأوسع أوضح بكثير، فحتى 15 مارس كان معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب قد قدّر أن إيران أطلقت على إسرائيل أكثر من 290 صاروخًا وأكثر من 500 مسيرة منذ بداية الحرب، مع ملاحظة أن الحكومة الإسرائيلية لم تنشر إجماليًا رسميًا كاملًا حتى ذلك التاريخ، وهذا وحده يكفي لإظهار أن ما يجري ليس ردًا رمزيًا بل حملة استنزاف ممتدة.

 

يهوشع كاليسكي، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، قال إن القنابل العنقودية لا تُحدث ضررًا حقيقيًا للمباني بقدر ما تضرب البشر، وهذه ملاحظة شديدة الدلالة لأن معنى ذلك أن السلاح مصمم لتعظيم الخطر على الكثافة السكانية وعلى كل من يفشل في الوصول إلى الملجأ في الوقت المناسب، لا لتعطيل موقع عسكري محدد فقط، ولهذا يصبح مشهد صفارات الإنذار والملاجئ ليس مجرد إجراء وقائي بل مركز المعركة نفسها داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

وكالة أسوشيتد برس أوضحت أيضًا أن هذه الرؤوس الحربية تنفتح على ارتفاعات كبيرة وتبعثر عشرات القنابل الصغيرة فوق مساحة واسعة، وأن بعض هذه الذخائر تبقى غير منفجرة بعد سقوطها، وهو ما يضاعف الخطر حتى بعد انتهاء صفارات الإنذار وخروج السكان من الملاجئ، لذلك فحجم الرعب لا يقاس بعدد القتلى وحده، بل أيضًا بعدد الأحياء التي تُشل، والطرق التي تُغلق، والناس الذين يترددون في لمس أي جسم ساقط، والوقت الذي يبقى فيه المدني تحت تهديد الانفجار المؤجل.

 

جنزن جونز، مدير خدمات أبحاث التسليح، قال إن تصميم بعض الصواريخ الإيرانية التي تحمل ذخائر فرعية يوحي بأنها تنثر حمولتها على مساحة واسعة إلى حد يجعلها أقرب إلى سلاح رعب خالص لا إلى ذخيرة دقيقة، وهذه شهادة تقنية مهمة لأنها تنسف الرواية التي تحاول تقديم هذا النمط من الإطلاق باعتباره ضربات جراحية، فالسلاح الذي يتشظى بهذه الطريقة فوق مناطق مأهولة لا يختبر دفاعات الخصم فقط، بل يضرب إحساسه بالأمان اليومي ويحوّل كل إنذار إلى اختبار بقاء.

 

إسرائيل في الملاجئ والدفاعات تحت الضغط

 

الهجوم الإيراني اليوم أعاد تفعيل القاعدة الأساسية في الداخل الإسرائيلي، صفارات إنذار، اندفاع جماعي إلى الملاجئ، تعليق مؤقت للحركة في بعض المواقع، وانتظار طويل لمعرفة إن كانت الشظايا انتهت أم أن موجة أخرى في الطريق، ومع أن تقارير اليوم لم تقدم رقمًا نهائيًا علنيًا لعدد من دخلوا الملاجئ في ضربة الأربعاء وحدها، فإن تقارير سابقة هذا الشهر تحدثت عن إرسال ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ خلال رشقات مشابهة، ما يعني أن الأثر النفسي والجماعي صار ثابتًا حتى حين لا تكون حصيلة القتلى مرتفعة نسبيًا.

 

هذا الضغط لا يرهق المدنيين فقط، بل يرهق أيضًا منظومة الاعتراض نفسها، لأن الدفاع الإسرائيلي ينجح في اعتراض نسبة معتبرة من المقذوفات لكنه لا يستطيع تحويل السماء إلى فراغ مطلق، وعندما تتفتح الذخائر على ارتفاع عالٍ أو تتساقط الشظايا بعد الاعتراض تبقى المشكلة قائمة على الأرض، بين سيارات محترقة، زجاج متناثر، وخوف متجدد من أن يكون الملجأ نفسه لم يعد ضمانة كاملة كما كان يُسوَّق دائمًا، خصوصًا بعد سلسلة ضربات سابقة أثبتت أن النجاح الدفاعي لا يعني الحصانة.

 

فرانشيسكو سكيافي، الباحث في معهد الشرق الأوسط في سويسرا، لفت إلى أن معضلة هذا النوع من الحروب هي الاستنزاف، لأن كل اعتراض له كلفة مالية ولوجستية عالية، بينما يستخدم الطرف المهاجم مسيرات وصواريخ أقل كلفة لفرض الضغط على مدى أطول، والمعنى هنا أن صفارات الإنذار ليست فقط إنذارًا أمنيًا بل فاتورة حرب مفتوحة، تدفعها إسرائيل في الدفاع والاعتراض والإغلاق الجزئي وتعطل الحياة، بينما تراهن إيران على أن الإزعاج المستمر نفسه يحقق جزءًا من الهدف.

 

الضربة أوجعت والردع لم يعد كاملًا

 

الأشد دلالة في هجوم الأربعاء أن إسرائيل، رغم تفوقها الجوي والدعم الأمريكي، ما زالت تستقبل قتلى وجرحى وأضرارًا مباشرة في قلبها المدني، وهذا وحده يكفي لإسقاط خطاب الحصانة المطلقة، فحين تُضرب رامات غان وبني براك وتتعطل محطة رئيسية في تل أبيب وتعود أخبار الشظايا والحرائق والملاجئ إلى الواجهة، تصبح الرسالة الإيرانية واضحة، القدرة على الإيلام ما زالت موجودة، حتى لو تراجعت أحجام الإطلاق مقارنة بالأيام الأولى من الحرب.

 

الخلاصة أن هجوم 18 مارس لا يمكن اختزاله في رقم واحد لأن العدد النهائي لصواريخ ومسيرات اليوم لم يُعلن رسميًا بعد، لكن المحصلة السياسية والعسكرية أوضح من أي رقم، قتيلان على الأقل، إصابات مؤكدة، أضرار في مواقع مدنية، صفارات إنذار جديدة، ومجتمع يعود إلى الملاجئ تحت ضغط ذخائر تُصمم لتوسيع الخوف لا لتقليصه، أما ما يتردد عن شظايا قرب مطار بن جوريون وريشون لتسيون فهو جزء من صورة تتسع، حتى لو ظلت بعض تفاصيله بحاجة إلى تثبيت نهائي، لكن ما ثبت بالفعل يكفي لقول شيء واحد، إيران نجحت اليوم في ضرب إسرائيل حيث يوجعها أكثر، في الإحساس بالأمان قبل أي شيء آخر.