تشهد الساحة اليمنية تطورات متسارعة تعكس مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى داخليًا وإقليميًا، في ظل إجراءات عسكرية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وتنامي التنافس السعودي–الإماراتي، وعودة ملفات الانتهاكات الحقوقية إلى الواجهة، بالتزامن مع مشاورات تشكيل حكومة جديدة في عدن.

 

إغلاق مقر الانتقالي… أول اختبار بعد الحل

 

أقدمت قوة عسكرية يمنية، على إغلاق مقر تابع للهيئة الإدارية للجمعية العمومية المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في مدينة التواهي بمحافظة عدن، في خطوة تُعد أول إجراء ميداني ضد المجلس منذ إعلان حله مطلع يناير الجاري.

 

القوة المنفذة تنتمي إلى ألوية العمالقة الموالية لمجلس القيادة الرئاسي، وجاء تحركها بعد يوم واحد من بيان صادر عن هيئة مرتبطة بالمجلس دعا إلى تشكيل حكومة جنوبية منفصلة، معتبرًا أن المجلس الانتقالي بقيادة عيدروس الزبيدي يمثل “الحامل السياسي الشرعي للقضية الجنوبية”.

 

وكان مجلس القيادة الرئاسي قد أسقط، في 7 يناير، عضوية الزبيدي وأحاله إلى النائب العام بتهم تتعلق بالخيانة العظمى، متهمًا إياه بالإضرار بمؤسسات الدولة وعرقلة جهود مواجهة التمرد، إضافة إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مدنيين في المحافظات الجنوبية، وفق رواية رسمية.

 

في المقابل، وصف بيان صادر عن المجلس الانتقالي الإجراء بأنه “تعسفي”، معتبرًا أن إغلاق المقر اعتداء على الحريات العامة ومحاولة لتضييق المجال السياسي، محذرًا من تداعيات التصعيد على حالة الاحتقان الشعبي في الجنوب.

 

ويأتي هذا التطور بعد إعلان المجلس، في وقت سابق من الشهر الجاري، حل نفسه وكافة هيئاته تمهيدًا للمشاركة في مؤتمر حوار جنوبي مرتقب في السعودية، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها نتيجة ضغوط سياسية إقليمية.

 

تصدع غير مسبوق بين الرياض وأبوظبي

 

في الخلفية، يتزامن التصعيد في عدن مع مؤشرات على تحول عميق في العلاقات السعودية–الإماراتية. مقال تحليلي نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أشار إلى أن التنافس بين البلدين خرج من مرحلة الخلافات المكتومة إلى صراع مكشوف.

 

المقال يربط بين هذا التصدع والتطورات في اليمن، حيث يُقال إن غارات سعودية استهدفت شحنات أسلحة كانت متجهة إلى حلفاء مدعومين من أبوظبي، ما شكل ضغطًا مباشرًا أدى إلى تراجع الدعم الإماراتي لبعض التشكيلات المحلية.

 

ويمتد التباين، وفق التحليل، إلى ملفات إقليمية أخرى، بينها السودان والصومال والعلاقات مع إسرائيل، ويعكس اختلافًا بنيويًا بين رؤية سعودية تميل إلى الاستقرار التقليدي، ونهج إماراتي أكثر ميلاً إلى إعادة تشكيل التوازنات عبر أدوات أمنية وعسكرية.

 

ويرى مراقبون أن اليمن أصبح ساحة اختبار لهذا التنافس، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع صراع نفوذ إقليمي يعيد رسم شبكة التحالفات في الخليج والقرن الإفريقي.

 

مقابر التعذيب… ملف الانتهاكات يعود

 

بالتوازي مع التطورات السياسية، أعادت إفادات حقوقية فتح ملف السجون السرية في شرق اليمن.

عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، إشراق المقطري، أكدت تلقي بلاغات عن وجود مقابر لضحايا قضوا تحت التعذيب في مراكز احتجاز غير قانونية بمحافظة حضرموت.

 

اللجنة تحققت من ثلاثة مراكز احتجاز على الأقل استُخدمت بين عامي 2016 و2019، حيث تحدث عشرات الضحايا عن تعرضهم لتعذيب شديد.

كما أشارت الإفادات إلى احتمال دفن ضحايا سرًا قرب مواقع الاحتجاز، وسط صعوبات في تحديد المواقع بدقة.

 

منظمات حقوقية، بينها منظمة “سام”، وصفت السجون السرية بأنها جزء من منظومة احتجاز ممنهجة خارج إطار القانون، مطالبة بتحقيق قضائي مستقل ومحاسبة المسؤولين.

في المقابل، سبق أن نفت الإمارات هذه الاتهامات واعتبرتها مضللة.

 

عودة هذا الملف إلى النقاش العام تضيف ضغطًا جديدًا على المشهد اليمني، حيث تتداخل العدالة الانتقالية مع الصراع السياسي المستمر.

 

حكومة جديدة وسط تعقيدات سياسية

 

على صعيد آخر، تتواصل المشاورات لتشكيل حكومة يمنية جديدة برئاسة شائع الزنداني، مع ترجيحات بإعلان التشكيلة مطلع الأسبوع المقبل.

مصادر حكومية تشير إلى أن الحكومة المرتقبة ستجمع بين الاستمرارية وإدخال تغييرات محدودة، مع تمثيل نسائي، في محاولة لتقديم نموذج “حكومة كفاءات”.

 

لكن مسار التشكيل يواجه ضغوطًا من قوى سياسية ومناطقية تطالب بحصص تمثيلية، في وقت أعلن فيه حلف قبائل حضرموت رفضه أي ترتيبات تقوم على المناصفة شمال–جنوب دون الاعتراف بحضرموت كطرف مستقل.