في خطبة عقب صلاة الجمعة بأحد مساجد الكلاكلة جنوبي الخرطوم، وجّه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان رسالة مباشرة إلى السودانيين في الداخل والخارج، داعيًا إياهم للعودة إلى ديارهم والمشاركة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ومؤكدًا أن الأوضاع في البلاد «آمنة ومستقرة» في المناطق التي يسيطر عليها الجيش.

هذه الدعوة جاءت في سياق رؤية البرهان للصراع الدائر منذ أبريل 2023 بوصفه معركة بين «مؤسسة عسكرية وطنية» تدافع عن الدولة، و«قوات متمردة» – هي قوات الدعم السريع – تتحمل، في نظره، المسؤولية عن الخراب الواسع والنزوح الجماعي واستهداف المدنيين.

 

عودة طوعية برعاية الجيش في مواجهة حرب «الدعم السريع» على المدنيين

 

في خطاب يحمل مزيجًا من الطمأنة والتحريض السياسي، شدد البرهان على أن دعوته للعودة لا تقوم على الإكراه، بل على قناعته بأن كثيرًا من المناطق باتت تحت سيطرة الجيش وتتمتع بقدر من الأمن يسمح ببدء عملية إعادة الإعمار، خصوصًا في الخرطوم والولايات التي نجحت القوات المسلحة في استعادة مواقع حيوية فيها.

وأكد أن السلطات تعمل على تأهيل المرافق الأساسية من طرق وكهرباء وخدمات في المناطق الآمنة، وأن عودة المواطنين ستسهم في تسريع هذا المسار.

 

في المقابل، حمّل البرهان قوات الدعم السريع ومَنْ يقف وراءها مسؤولية استمرار المعاناة في مناطق واسعة، خاصة في دارفور وكردفان، متهمًا هذه القوات بممارسة الانتهاكات بحق المدنيين، من قتل ونهب واحتلال للمنازل والمنشآت، والتضييق على السكان في مدن مثل الأبيض والدلنج.

وأشار إلى أن الجيش، من وجهة نظره، يخوض معركة «فرض هيبة الدولة» وإنهاء حالة الفوضى التي صنعتها هجمات الدعم السريع على العاصمة والأقاليم، وهو ما تسبب في نزوح الملايين وترك مدن كاملة شبه خالية من أهلها.

 

البرهان وصف الأصوات التي تحذر من العودة أو تشكك في قدرة الدولة على حماية العائدين بأنها «أصوات مشككة ومتربصة وخائنة»، معتبرا أن استمرار النزوح يخدم أجندات من يريدون إظهار السودان كدولة منهارة وعاجزة عن حماية شعبها، بينما الجيش، بحسب روايته، يحاول استعادة الاستقرار تدريجيا وسط ظروف شديدة القسوة فرضها تمرد الدعم السريع وحلفاؤه.

 

هجوم على حمدوك وتحالف «صمود» واتهامات بتضليل الخارج وتشويه صورة الجيش

 

لم يكتف البرهان بدعوة العودة وانتقاد الدعم السريع، بل وسّع هجومه ليشمل القوى السياسية المدنية التي تتحرك خارج البلاد، وعلى رأسها رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وتحالفه السياسي «صمود».

فقد اتهم الدول التي تستقبل حمدوك ووفده بأنها تفتح أبوابها لمن يعملون ضد مصلحة السودان، معتبراً أن هؤلاء «أصبحوا منبوذين بأعمالهم وسلوكياتهم»، وأن الشعب – كما يراه البرهان – لن يقبل بعودتهم إلى السلطة بعد ما يصفه بـ«تآمرهم» على البلد.

 

الجزء الأكثر حساسية في حديث البرهان كان رده على الاتهامات التي يطرحها تحالف «صمود» بشأن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال الحرب.

التحالف أعلن لقاءه بمسؤولين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي لبحث تشكيل لجنة تحقيق في هذه المزاعم، لكن البرهان نفى ذلك بشكل قاطع، ووصف الجيش بأنه «مؤسسة وطنية» لا يمكن أن تقدم على استخدام أسلحة محرمة ضد شعبها.

واعتبر أن ما يُروَّج عن الأسلحة الكيميائية ليس سوى «أكاذيب سياسية» تستهدف شيطنة القوات المسلحة وتشويه صورتها أمام المجتمع الدولي، لصالح قوى، يرى البرهان، أنها عاجزة عن تحصيل شرعيتها من داخل السودان فتلجأ إلى العواصم الأجنبية والمنظمات الدولية.

 

بهذه اللغة، يحاول البرهان ترسيخ رواية مفادها أن الجيش هو الطرف الوحيد القادر على حماية وحدة البلاد، وأن «الدعم السريع» ومؤيديه، ومعهم أطراف مدنية في الخارج، يشكلون في النهاية جبهة واحدة تسعى إلى إضعاف الدولة وتمزيقها، سواء عبر السلاح أو عبر حملات التشويه السياسية والقانونية.

وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تبدو دعوة العودة ورفض الاتهامات الدولية جزءًا من معركة أوسع يخوضها البرهان لتثبيت شرعيته كقائد في زمن الحرب، وتقديم نفسه للمواطنين والعالم بوصفه حاجز الصد الأخير أمام التفكك الكامل للدولة السودانية