أسدلت محكمة جنايات الإسكندرية، الستار على واحدة من أبشع القضايا الجنائية التي هزّت الرأي العام خلال السنوات الأخيرة، بعدما قضت برفض الاستئناف المقدم من دفاع المحامي نصر الدين السيد، المعروف إعلاميًا بلقب «سفاح المعمورة»، وأيّدت حكم إعدامه شنقًا، ليصبح الحكم نهائيًا وواجب النفاذ، عقب تصديق مفتي الجمهورية، وثبوت تمتع المتهم بكامل قواه العقلية والنفسية وقت ارتكاب الجرائم المنسوبة إليه.
وجاء الحكم الحاسم بعد مسار قضائي طويل، شهد تحقيقات موسّعة وجلسات مطوّلة، وسط متابعة إعلامية وشعبية واسعة، نظرًا لبشاعة الوقائع وتعدد الضحايا، وطبيعة الجرائم التي ارتكبها المتهم مستغلًا صفته المهنية كمحامٍ، وما وفرته له من ثقة وعلاقات مكّنته من الإيقاع بضحاياه دون إثارة الشبهات لسنوات.
رأي المفتي وتقارير الصحة النفسية تحسم الجدل
وكانت المحكمة قد قررت في وقت سابق إحالة أوراق المتهم إلى مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في تنفيذ عقوبة الإعدام، حيث ورد رأي المفتي مؤيدًا للقصاص، معتبرًا أن الجرائم ثابتة في حق المتهم وتستوجب أقصى عقوبة، وهو ما مهّد الطريق لإصدار الحكم النهائي.
كما استندت المحكمة في حيثياتها إلى تقارير طبية رسمية صادرة عن لجنة ثلاثية متخصصة في الصحة النفسية والعصبية بمستشفى العباسية للصحة النفسية، والتي خضع المتهم تحت إشرافها للفحص والملاحظة لفترة زمنية محددة.
وأكد التقرير، المؤرخ في 28 يونيو الماضي، أن المتهم سليم القوى العقلية، كامل الإدراك والوعي، ويعي أفعاله ونتائجها وقت ارتكاب الجرائم، ولا يعاني من أي اضطرابات نفسية أو عقلية من شأنها إسقاط أو تخفيف المسؤولية الجنائية عنه، لتسقط بذلك كافة دفوع الدفاع المتعلقة بعدم سلامة قواه العقلية.
ثلاث جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصد
وتعود وقائع القضية إلى اتهام المتهم، البالغ من العمر 52 عامًا، بارتكاب ثلاث جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، على مدار سنوات متفرقة، راح ضحيتها زوجته العرفية واثنان من موكليه، في وقائع كشفت التحقيقات أنها لم تكن عشوائية، بل جرى التخطيط لها بعناية شديدة.
وأظهرت أوراق القضية أن المتهم أقدم على قتل زوجته العرفية داخل شقة مستأجرة بمنطقة المعمورة شرق الإسكندرية، عقب خلافات حادة بينهما، ثم قام بدفن جثمانها أسفل أرضية الشقة بعد رفع البلاط وإعادة إغلاقه بإحكام، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ كشفت التحقيقات عن تورط المتهم في قتل إحدى موكلاته بدافع الاستيلاء على أموالها وممتلكاتها، حيث أنهى حياتها ودفن جثمانها في المكان ذاته أسفل بلاط الشقة نفسها، مستغلًا ثقتها فيه بصفته محاميها.
أما الجريمة الثالثة، فتمثلت في قتل مهندس كانت تربطه بالمتهم علاقة عمل، حيث استدرجه إلى شقة أخرى بمنطقة العصافرة، وقام بقتله ودفن جثمانه أسفل أرضية الشقة، لتظل الجريمة طي الكتمان لسنوات طويلة.
أساليب إجرامية معقدة لإخفاء الجثث
وأوضحت التحريات الأمنية أن «سفاح المعمورة» اتبع أساليب إجرامية معقدة ودقيقة لإخفاء آثار جرائمه، حيث تعمد طمس الروائح باستخدام طبقات كثيفة من الأسمنت والرمال، مع إحكام غلق أماكن الدفن أسفل البلاط، بما حال دون انبعاث أي دلائل قد تثير الشكوك لفترات طويلة.
كما كشفت التحقيقات أن المتهم استغل صفته المهنية وعلاقاته الاجتماعية بالضحايا للإيقاع بهم، ثم الاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم بعد تصفيتهم، في نمط إجرامي متكرر اتسم بالدهاء والتخطيط المسبق.
بلاغات الجيران تكشف المستور
وظل المتهم بعيدًا عن دائرة الاشتباه لسنوات، إلى أن بدأت خيوط القضية في الظهور عقب تلقي الأجهزة الأمنية بلاغات من عدد من الجيران، أفادوا بسماع صرخات استغاثة وروائح غريبة من داخل إحدى الشقق، ما دفع قوات الأمن إلى مداهمة المكان، لتكون المفاجأة باكتشاف أولى الجثث المدفونة أسفل الأرضية.
وبتوسيع نطاق التحريات والفحص، تم العثور على الجثة الثانية في الموقع ذاته، قبل أن تقود الاعترافات والتحقيقات اللاحقة إلى كشف الجريمة الثالثة بمنطقة العصافرة، لتتكشف واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها محافظة الإسكندرية.

