يدعو الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، إلى حوارٍ بنّاء مع الشباب، لا حوارِ تجريح أو مصادرة، حوارٍ يقوم على النصيحة الصادقة ووضوح القصد. فـ«الدين النصيحة»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».
و«المؤمن مرآة المؤمن»، يتواصى معه بالحق ويتواصى بالصبر، امتثالًا لقوله تعالى في سورة العصر: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
من هذا المنطلق تأتي هذه الوصايا للشباب لتكون علامات على الطريق: تدل على الهدف، وتجنب العثار، وتمنع الدوران حول الذات أو الانحراف عن الغاية، وتضع حدودًا واضحة بين الحماس المشروع والتهور العلمي.
أولًا - الإسلام لا يعرف «رجال دين» لكنه يعرف «علماء دين»
أولى الوصايا هي دعوة صريحة إلى احترام التخصص. فكما لا يقبل أحد أن يقتحم المهندس ميدان الطب، أو أن يتصدى طبيب عظام لقضايا دقيقة في جراحة المخ والأعصاب، كذلك لا يليق أن يكون علم الشريعة «كلأً مباحًا» لكل من هبّ ودبّ، يتحرك فيه بلا أدوات ولا تأهيل، بحجة أن الإسلام ليس حكرًا على أحد، وأنه لا يعرف طبقة «رجال الدين».
الإسلام فعلًا لا يعرف طبقة مقدسة اسمها «رجال الدين»، لكنه يعرف علماء الدين المتخصصين؛ الذين تفرغت طائفة منهم للفقه والتبصر، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).
هذه الآية تقرر مبدأ «التخصص» في الدين نفسه؛ فليس كل الناس مطلوبًا منهم أن يصيروا فقهاء، بل تكفي طائفة تتفقه لتنذر غيرها.
ومن هنا، فالتجرؤ على قضايا الشريعة الكبرى، وإصدار الفتاوى في أخطر المسائل، دون أدوات العلم وأصوله، بدعوى أن باب الاجتهاد مفتوح للجميع، هو خلط بين شرعية الاجتهاد وشروطه؛ فباب الاجتهاد لم يُغلق، لكن لم يُفتح لكل من جمع بضع معلومات أو قرأ بعض الكتب.
ثانيًا - «فاسألوا أهل الذكر».. منهج قرآني في احترام الخبرة
القرآن والسنة يضعان قاعدة عامة في كل علم وكل تخصص، وليس في الشريعة وحدها؛ قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة. يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7).
ويقول سبحانه في بيان منهج التعامل مع الأخبار والقضايا الكبرى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83).
وفي آيات أخرى تكرّس المعنى ذاته: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: 59)،
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: 14).
فالسؤال هنا ليس ضعفًا، بل طريق النجاة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة صاحب الشجة الذي أفتي بوجوب الغسل فاغتسل فمات: «قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العيِّ السؤال».
هذا الحديث النبوي يجمع المعنى كله: الجهل ليس عيبًا، لكن العيب أن يتكلم المرء فيما يجهل، أو أن يخجل من السؤال، أو أن يفتي في الدماء والأنفس والأعراض بجرأة من لا يدرك خطورة الكلمة.
ومن المؤسف اليوم أن نرى من يجترئ على الفتوى في أخطر القضايا، ويخالف جمهور العلماء قديمًا وحديثًا، وربما طعن في علمهم متهمًا إياهم بالتقليد، وهو لم يتحصل بعدُ على أبسط أدوات الاجتهاد.
ثالثًا - هيبة الفتوى عند السلف.. «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»
سلوك السلف الصالح مع الفتوى يكشف الفارق بين تواضع العلماء وغرور المتعجلين. لقد كان بعض أئمة العصر الأول يقول ساخرًا من جرأة طلاب زمنه: «إن أحدهم يفتي في المسألة، لو عُرضت على عمر لجمع لها أهل بدر».
ومن مأثور القول عندهم: «أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار».
الخلفاء الراشدون، مع سعة علمهم وفضلهم، كانوا إذا نزلت النازلة جمعوا لها علماء الصحابة، يستشيرونهم ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ الإجماع في عصر الصحابة.
وكانوا يعدّون قول «لا أدري» عبادةً وورعًا، لا نقصًا ولا عيبًا؛ فهذا عتبة بن مسلم يقول: «صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأل فيقول: لا أدري».
ويقول ابن أبي ليلى: «أدركت مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يُحدِّث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودَّ أخاه لو كفاه».
ويقول عطاء بن السائب: «أدركت أقوامًا إن كان أحدهم ليسأل عن شيء، فيتكلم وإنه ليرعد».
أما التابعي الجليل سعيد بن المسيب فكان سيد فقهائهم، ومع ذلك كان لا يكاد يفتي إلا وهو يقول: «اللهم سلِّمني، وسلِّم مني».
ثم نأتي إلى الأئمة المتبوعين، وعلى رأسهم الإمام مالك رحمه الله، فنجد هيبته للفتوى مضرب المثل؛ فقد رُوي عنه قوله: «من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها».
وقال تلميذه ابن القاسم: «سمعت مالكًا يقول: إني لأفكر في المسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن».
وسمعه ابن مهدي يقول: «ربما وردت عليّ المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي».
ويقول مصعب: «وجّهني أبي بمسألة – ومعي صاحبها – إلى مالك، يقصها عليه، فقال: ما أحسن فيها جوابًا، سلوا أهل العلم».
حتى قال ابن أبي حسان: «سُئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين، بعد أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله».
هذه الأمثلة كلها تقول للشباب: إن كبار العلماء كانوا يخشون الفتوى، فكيف نجرؤ نحن على ما هابوه هم؟
رابعًا - العلم الدنيوي فرض كفاية.. لا تهجر تخصصك بحجة الدعوة
النصيحة لا تقف عند تحذير الشباب من التجرؤ على الفتوى، بل تمتد لتنظيم علاقتهم بالتخصصات الأخرى. فطلب العلم الشرعي مطلوب، نعم؛ لكن لكلٍ وجهةٌ هو موليها، وكلٌّ ميسّر لما خُلق له.
كثير من الشباب يتركون كليات الطب والهندسة والعلوم والآداب والتجارة في منتصف الطريق ليتفرغوا لدراسة الشريعة، رغم تفوّقهم في تخصصاتهم، ظنًا منهم أن «الطريق الأقرب إلى الله» هو أن يصيروا دعاة أو خطباء. يغيب عنهم أن تعلم هذه العلوم المدنية، بل التفوق فيها، فرض كفاية على الأمة؛ لأن السباق مع الأمم الأخرى في هذه الميادين على أشده. ومن أخلص نيته فيها، كان في عبادة وجهاد وخدمة لدينه وأمته.
الصحابة أنفسهم بُعثوا ولهم مهن وأعمال، فلم يطلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتركوا حرفهم ويصيروا كلهم علماء ودعاة متفرغين، بل أبقى كل واحد في مجاله، إلا من اختير لمهمة بعينها، فهنا يوطّن نفسه على التفرغ لها.
ثم إن وراء هذا التحول من التخصصات الدنيوية إلى التفرغ المفاجئ للعلم الشرعي خطرًا خفيًا يحذر منه النص: شهوة الظهور والتصدر؛ حب أن يكون الإنسان «الشيخ» الذي يُسأل ويُستفتى، ربما دون أن يشعر؛ لكنها شهوة كامنة تحتاج إلى فحص دقيق ومحاسبة للنفس.
النفس أمّارة بالسوء، ومداخل الشيطان إليها كثيرة ودقيقة؛ لذا كان الواجب على طالب العلم أن يقف مع نفسه عند كل مفترق طريق:
• أهذه الخطوة لله أم للناس؟
• للدنيا أم للآخرة؟
• للحق أم لحظ النفس؟
ومن أصدق هذه المحاسبة أعانه الله، كما ختم النص بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101).
فمن اعتصم بالله في طلب العلم، وفي اختيار تخصصه، وفي ضبط نيته، وفي احترام أهل الذكر كلٌّ في مجاله، هداه الله إلى الطريق المستقيم؛ طريقٍ يجمع بين العلم الرصين والتواضع، وبين الحماسة للدين واحترام أصوله وأهله، ويجعل من الشباب قوة بناء، لا عنصر فوضى في ميدان العلم والفتوى.

