تسارعت وتيرة الجدل داخل مجلس النواب المصري مع طرح الحكومة مشروع تعديل يمس الإطار المنظم لعمل النقابة، في لحظة بدا فيها أن الخلاف لا يدور فقط حول صياغات قانونية أو مسميات أكاديمية، بل حول فلسفة التشريع نفسها: هل يُكتفى بتحديث تعبيرات ومؤهلات بما يواكب تحولات سوق الرياضة، أم يجب أن يأتي أي تعديل محمّلًا برؤية أشمل للرياضة بوصفها حقًا عامًا وأداة تنمية وصحة مجتمعية؟

 

وبينما قدمت الحكومة التعديل باعتباره خطوة تنظيمية محدودة تستجيب لتغييرات في منظومة التعليم والاعتماد المهني، ظهرت داخل الجلسة اعتراضات من نواب معارضين اعتبروا أن التعديل يمرّ دون معالجة جذور أزمات ممارسة الرياضة، ودون ضمانات كافية لعدم الإضرار باستقلال النقابة وحقوق أعضائها.

 

ما الذي تريد الحكومة تغييره ولماذا تقول إنه تحديث ضروري؟

 

وفق ما عُرض تحت القبة، ترتكز مبررات الحكومة على فكرة “التوافق المؤسسي” بين مسارات التعليم الجامعي ومتطلبات القيد المهني، بعد تغييرات إدارية سابقة أعادت صياغة مسميات كليات وتخصصات مرتبطة بالمجال الرياضي. وقد قدّم محمود فوزي التعديل بوصفه تصحيحًا تنظيميًا يوسع الدلالة العلمية للمجال، ويعكس اتساع الرياضة الحديثة لتضم مسارات مثل الاستثمار الرياضي والطب الرياضي وإدارة المنظومات الرياضية، مع التأكيد على أن هذا التحديث لا ينتقص من اختصاصات النقابة أو من حقوقها. كما أشار العرض الحكومي إلى نية فتح نقاش منفصل حول تمويل النقابة ومواردها في ضوء أحكام قضائية حديثة، بما يوحي بأن الحكومة تسعى لفصل “تعديل التعريفات وشروط القيد” عن “تعديل الموارد والتمويل” بدل جمعهما في حزمة واحدة قد تكون أكثر حساسية.

 

هذه المقاربة الحكومية تراهن على أن التعديل، مهما بدا محدودًا، يمكن أن ينعكس على جودة المخرجات المهنية من خلال ضبط المؤهلات المعترف بها، وإتاحة مسارات تدريب أو دراسة متخصصة تقرها الجهات المعنية بالتنسيق مع المؤسسات الأكاديمية. وفي لغة الحكومة، فإن ذلك يُفترض أن يحد من “الدخلاء” على المهنة ويمنح سوق الرياضة إطارًا أكثر وضوحًا، خاصة مع توسع أنشطة الرياضة من التدريب والتعليم إلى الإدارة والتسويق والطب الرياضي.

 

اعتراضات معارضة: أين التنمية وحق الرياضة للجميع؟

 

على الضفة الأخرى، جاء اعتراض إيهاب منصور عضو الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي من زاوية مختلفة تمامًا: إذا كان القانون يتحدث عن التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالمهن الرياضية، فأين انعكاس ذلك في الواقع؟ وكيف يمكن الحديث عن دور اقتصادي واجتماعي للرياضة بينما تعاني المدارس من ضعف ممارسة الرياضة وضعف الإعداد البدني للنشء؟ كما ربط منصور بين مضمون التعديل وبين ضمانات دستورية أوسع، معتبرًا أن أي تعديل لا يتعامل مع الرياضة كحق فعلي ومتيسر للجميع، بما في ذلك ذوو الإعاقة والفئات الأقل قدرة، يظل تعديلًا قاصرًا وقد يقترب من التعارض مع روح النصوص الدستورية التي تُعلي من الحق في الرياضة وممارستها.

 

لا تقف هذه الاعتراضات عند حدود “المبدأ”، بل تحمل رسالة سياسية إلى الحكومة مفادها أن تحديث المسميات وحده لا يصنع سياسات رياضية، وأن التركيز على الإجراءات التنظيمية دون خطة لتعزيز ممارسة الرياضة وتوسيع فرصها قد يجعل التشريع يبدو وكأنه يشتغل على الورق لا على الأرض. وبالمعنى البرلماني، فإن اعتراض منصور يصنع إطارًا جديدًا للنقاش: التعديل ليس شأنًا نقابيًا داخليًا فقط، بل جزء من سياسة عامة للصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.

 

خلاف إجرائي يوسّع الهوة بين الحكومة والنواب

 

إلى جانب مضمون التعديل، برز خلاف حول طريقة طرحه ومناقشته. فقد أعلن محمد عبد العليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لـ حزب الوفد رفضه للتعامل الإجرائي مع مشروع القانون، معتبرًا أن إدراج تشريعات بهذه الحساسية على جدول الأعمال بمهلة ضيقة لا يمنح النواب الوقت الكافي للقراءة المتأنية والرجوع للمراجع وبناء صياغات متوازنة تقلل احتمالات الأثر السلبي عند التطبيق. هذا النوع من الاعتراضات لا يهاجم المضمون وحده، بل يلمّح إلى خلل متكرر في العلاقة بين الحكومة والبرلمان: تشريعات تصل في توقيتات ضاغطة، ثم يُطلب تمريرها بسرعة، ما يضعف النقاش العام ويقلل فرص تحسين النصوص.

 

وفي السياق ذاته، ظهر صوت ضياء الدين داود متحفظًا على أولوية البدء بالتشريع دون فتح الجلسات بأدوات رقابية تبعث رسائل طمأنة للرأي العام، وهو تحفظ يعكس توترًا أوسع حول “وظيفة البرلمان” بين التشريع والرقابة في لحظة اقتصادية واجتماعية حساسة. 

 

ورغم هذا الجدل، أظهرت تغطيات صحفية أن المجلس مضى في إقرار التعديل، بما يعني أن الخلاف المبكر لم يمنع تمرير النص، لكنه كشف مناطق احتكاك مرشحة للعودة لاحقًا عند مناقشة ملفات التمويل أو اللائحة التنفيذية أو أثر التعديل على شروط القيد والاعتماد.

 

واخيرا ما حدث حول قانون المهن الرياضية ليس مجرد خلاف على ألفاظ أو مسميات، بل اختبار مبكر لكيفية صنع السياسات الرياضية عبر التشريع: حكومة تطرح تعديلًا محدودًا باسم التحديث والحوكمة وربط المؤهلات بسوق العمل، ومعارضة برلمانية تطالب بأن تُقاس القوانين بقدرتها على توسيع ممارسة الرياضة وحماية حقها العام لا بقدرتها على ترتيب الأوراق الإدارية فقط. وبين المضمون والإجراءات، يظل المسار الأكثر اتزانًا هو توسيع التشاور مع النقابة والمؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية المعنية بالرياضة، وربط أي تعديل تنظيمي بخطة معلنة تُظهر كيف ستتحول الرياضة إلى ممارسة متاحة، وصناعة ذات أثر اقتصادي، ومساحة اندماج اجتماعي لا تُقصي الفئات الأضعف.