في الوقت الذي تستعد فيه مصر لسداد التزامات ثقيلة في عام 2026، بينها شرائح من ديون صندوق النقد الدولي تبلغ وحدها نحو 2.7 مليار دولار خلال العام، بحسب تقديرات اقتصادية حديثة، تعلن وزارة المالية عن «ابتكار» جديد: طرح أول سندات موجهة للأفراد في النصف الأول من 2026، بالتوازي مع خطّة لإصدار ديون دولية جديدة بقيمة 2.5 مليار دولار في النصف الثاني من العام المالي الحالي، ليصل إجمالي الإصدارات الدولية إلى 4.5 مليار دولار خلال العام نفسه.

 

الوزير أحمد كجوك قدّم الخطوة بوصفها تنويعًا «متقدمًا» لأدوات الدين، بشروط «جيدة» وسهولة تخارج لصغار المستثمرين، مع تأكيد على أن مؤشرات المخاطر تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ ٦–٧ سنوات، وأن الطلب على السندات المصرية «قوي جدًا». لكن خلف اللغة الهادئة، يرى خبراء أن الدولة تتحرك بسرعة لإيجاد دائن جديد: المواطن العادي، بعد أن استُهلكت البنوك المحلية، وارتفعت تكلفة الاقتراض الخارجي إلى مستويات خطرة.

 

سندات للأفراد.. دولة مدينة تبحث عن آخر دائن

 

وفق تصريحات رسمية سابقة، تعمل الحكومة منذ أشهر على تجهيز سوق للسندات التجزئة (Retail Bonds)، بحيث يتمكن الأفراد لأول مرة من شراء أدوات دين حكومي مباشرة، عبر قنوات مثل البريد المصري أو البنوك، ضمن استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة الدين العام.

 

في الظاهر، تبدو الفكرة «توسيعًا لقاعدة المستثمرين» و«تعميقًا للسوق المحلي»، لكن في الواقع – كما يرى اقتصاديون – هي انتقال من مرحلة الاعتماد على البنوك وصناديق الاستثمار كممولين رئيسيين للعجز، إلى جرّ مئات الآلاف من المواطنين إلى حمل جزء من عبء الدين العام، الذي أصبح يخنق الموازنة.

 

أرقام وزارة المالية نفسها تكشف خلفية هذا التوجه؛ فخلال الربع الثالث من العام المالي 2025/2026 فقط، تخطط الحكومة لإصدارات محلية (أذون وسندات وصكوك) بنحو 2.7 تريليون جنيه، بهدف «إعادة تمويل الديون القائمة وتمويل عجز الموازنة».

 

الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، حذّرت في تصريحات متعددة من أن أقساط وفوائد الدين باتت تمثل ما بين 65% من الإنفاق العام، وأن إجمالي الأقساط والفوائد يتجاوز في بعض التقديرات 100% من إيرادات الدولة، ما يعني ببساطة أن الحكومة تستدين لتسدد ديونًا قديمة، لا لتمويل تنمية حقيقية.

 

في هذا السياق، تتحول «سندات الأفراد» إلى أداة خطرة: الدولة لا تعطي المواطن منتج ادخاريًا آمنًا بقدر ما تطلب منه أن يضع مدخراته المحدودة في نظام مالي قائم أصلًا على الاقتراض المكثف، مع مخاطرة حقيقية بتآكل العائد إذا استمرت موجات التضخم، أو بتعرض هذه السندات لإعادة هيكلة مستقبلًا إذا دخلت الدولة في أزمة أعمق.

 

4.5 مليار دولار إصدارات خارجية جديدة.. دوّامة الدين لا تتوقف

 

إلى جانب السندات الموجهة للأفراد، يعلن وزير المالية عن خطّة لإصدار دين دولي جديد بقيمة 2.5 مليار دولار في النصف الثاني من العام المالي الحالي، بعد أن طرحت الحكومة خلال النصف الأول إصدارات بقيمة 2 مليار دولار، ليقترب الإجمالي من 4.5 مليار دولار، وهو ما يتسق مع تصريحات سابقة عن نية إصدار حتى 4 مليارات دولار من السندات الدولية خلال ١٢ شهرًا لتغطية نحو 40% من فجوة التمويل الخارجي.

 

الدكتور مراد علي، الخبير في الإدارة الاستراتيجية وإدارة الأزمات، يذكّر بأن الديون الخارجية الرسمية لمصر تجاوزت 160 مليار دولار في السنوات الأخيرة، وأن البلاد أصبحت ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي بقروض تقترب من 28 مليار دولار منذ 2016، معتبرًا أن هذا المسار يعني عمليًا «رهن القرار الاقتصادي لإملاءات الدائنين»، وأن الاعتماد المتواصل على السندات لسد فجوات العملة الصعبة بدلًا من معالجة جذور الأزمة (هيكل الإنتاج، الصادرات، أولوية الإنفاق) وصفة مؤكدة لدوّامة لا تنتهي من الاستدانة وخدمة الدين.

 

المفارقة أن السندات الدولارية المصرية لا تزال تتداول بعوائد مرتفعة (قرابة 9–10% في المتوسط وفق تقارير دولية)، أي أن كل دولار إضافي تقترضه الدولة اليوم يأتي بكلفة فوائد ضخمة لسنوات مقبلة، في وقت تعاني فيه بالفعل من نزيف عملة صعبة وتراجع التصنيف الائتماني في السنوات الماضية.

 

النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد انتقد في مداخلات سابقة التركيز الرسمي على تحسين أرقام «دين أجهزة الموازنة» فقط، في حين يتوسع الدين خارج الموازنة عبر كيانات أخرى، محذرًا من أن هذه الهندسات المحاسبية لا تغيّر من حقيقة أن عبء خدمة الدين يلتهم الموازنة، وأن أي سند جديد – سواء اشتراه أجنبي أو مواطن مصري – هو في النهاية تأجيل للأزمة لا حل لها.

 

تراجع المخاطر أم تجميل أرقام؟ خبراء: المواطن يُستدعى لإنقاذ نموذج مفلس

 

الوزير أحمد كجوك تحدث عن تراجع «مؤشرات المخاطر» إلى حدود 280–320 نقطة أساس، وهي مستويات «لم تُسجّل منذ 6 أو 7 سنوات»، معتبرًا أن ذلك يعكس تحسنًا في نظرة الأسواق للسندات المصرية، بالتوازي مع تراجع التضخم وأسعار الفائدة. لكن نظرة أعمق للأرقام تشير إلى أن كلفة الاقتراض المحلي ما زالت خانقة؛ فمتوسط عائد أذون الخزانة القصيرة الأجل يتجاوز 24–25% في بعض المزادات الأخيرة، ما يعني أن خدمة الدين المحلي وحدها تبتلع جزءًا ضخمًا من الضرائب والإيرادات.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق كتب مؤخرًا أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الدين الخارجي أو الدولار، بل في الدين المحلي الذي تضخّم إلى مستويات غير مسبوقة، وأن اللجوء إلى حلول من نوع «مقايضة الديون بالأصول»، أو تحميل الأفراد مزيدًا من أدوات الدين، هي «افتكاسات» غير منطقية اقتصاديًا، لا تجد لها مثيلًا في تجارب الدول الرشيدة.

 

أما الدكتورة عالية المهدي فتعود لتؤكد – في أكثر من مناسبة – أن استمرار هذا المسار دون خطة واضحة للسيطرة على الدين الخارجي والداخلي معًا يهدد الاستقرار المالي نفسه، وأن الاعتماد المفرط على أدوات الدين، مهما تعددت مسمياتها (سندات خضراء، صكوك، سندات اجتماعية، سندات للأفراد)، لن يحل الأزمة ما لم تُعاد هيكلة أولويات الإنفاق وتُفتح ملفات الاستثمار العام غير المنتج.

 

في ضوء ذلك، تبدو «سندات الأفراد» أقل كوسيلة لإدماج المواطنين في سوق المال، وأكثر كإشارة على أن الدولة استنفدت معظم هوامش المناورة التقليدية، وتبحث الآن عن تحويل المدخر الصغير إلى دائن مباشر للخزانة، لسد ديون مستحقة في 2026 وما بعدها. السؤال الذي يطرحه الخبراء بحدة:

 

هل ما يُبنى اليوم هو قناة آمنة لادخار المواطنين، أم خط دفاع أخير لنظام مالي واقتصادي يرفض الاعتراف بأن مشكلته ليست في نقص أدوات الدين، بل في نموذج تنمية قائم على الاستدانة المستمرة بلا إصلاح حقيقي؟