تتكثّف ملامح الأزمة الاجتماعية في مصر كلما خرجت إلى العلن مأساة جديدة من مآسي عالم العمل.
هذه المرة، جاء البيان الصادر عن دار الخدمات النقابية والعمالية ليكشف جانبًا من صورة قاسية يعيشها عمال شركة قطاعات الألومنيوم «إنتر كايرو»، بعد شهور من تأخر صرف الأجور، وحرمان مئات الأسر من مصدر دخلها الوحيد، في وقت تتصاعد فيه كلفة المعيشة إلى مستويات خانقة.
دار الخدمات أعلنت بوضوح تضامنها مع العمال، لكنها في الوقت نفسه وضعت الأصبع على جرح أكبر: إدارة تتنصّل من تعهدات مكتوبة، وجهات رسمية تقرّ بالمخالفة، وقانون عمل جديد يتم التباهي به في الخطاب الرسمي بينما يُنتهك في الواقع عند أول اختبار.
وبين هذا وذاك، يقف العمال في مواجهة مباشرة مع الجوع والديون، بلا حماية فعلية ولا شبكة أمان تضمن الحد الأدنى من الكرامة.
أزمة أجور ممتدة… ووعود مكتوبة بلا تنفيذ
تسلسل الأحداث كما ترويه دار الخدمات النقابية والعمالية يكشف نمطًا مألوفًا في كثير من النزاعات العمالية: إدارة تعترف بالمشكلة، توقّع تعهّدات، ثم لا تلتزم بشيء تقريبًا على أرض الواقع.
فبعد تحقيقات مكتب العمل، أقرت إدارة «إنتر كايرو» بوجود صعوبات مالية تعوق صرف الأجور كاملة، وتم التوافق – نظريًا – على منح العمال إجازة مدفوعة الأجر من 15 أكتوبر 2025 حتى 15 يناير 2026، مع عدم المساس بحقوقهم أو خصم رصيد الإجازات.
لكن ما حدث فعليًا كان عكس روح هذا الاتفاق؛ إذ لم يتقاضَ العمال سوى نصف أجر شهر أكتوبر 2025، فيما توقّف صرف رواتب نوفمبر وديسمبر 2025 ويناير 2026 بالكامل.
أي أن "الإجازة مدفوعة الأجر" تحولت إلى حالة بطالة مقنّعة بلا أجر، مع احتفاظ الشركة بحقها في الادعاء أنها لم تفصل أحدًا، ولم تمس العقود من الناحية الشكلية.
هذا النمط من الممارسات لا يعني فقط تآكل الثقة بين العمال والإدارة، بل يضرب استقرار الأسر في الصميم؛ العامل الذي لا يتقاضى راتبه لعدة أشهر يواجه خطر طرد من السكن، وتراكم فواتير الكهرباء والمياه، وتراجع القدرة على توفير الغذاء والدواء لأطفاله. دار الخدمات وصفت ذلك بأنه "تداعيات معيشية صعبة"، لكن الواقع على الأرجح أكثر قسوة مما تسمح به لغة البيانات الرسمية.
وفي ظل هذا الوضع، يصبح أي حديث من جانب الإدارة عن "صعوبات مالية" مجرد محاولة لنقل عبء إدارة الأزمة من المالك إلى العامل، وكأن الأجر ليس استحقاقًا قانونيًا بل منحة تُصرف أو تُمنع حسب مزاج السيولة.
وهو منطق لو عمّم لأصبح كل عامل في مصر مهددًا بأن يستيقظ ذات يوم فيجد راتبه معلّقًا لأن صاحب العمل يمر بـ"ضائقة مؤقتة".
قانون العمل رقم 14 لسنة 2025… نصوص واضحة تُنتهَك
دار الخدمات النقابية لم تكتفِ بوصف الواقع، بل أكدت أن ما يجري في «إنتر كايرو» يشكّل مخالفة صريحة لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025.
فالقانون يلزم صاحب العمل بصرف الأجر في مواعيده المحددة، ولا يجيز تحميل العامل كلفة الاختلالات الإدارية أو أزمات السيولة التي تقع مسؤوليتها على الإدارة أو الملاك أو حتى على سياسات الدولة الاقتصادية.
منح العمال إجازة مدفوعة الأجر لثلاثة أشهر، ثم حرمانهم فعليًا من الأجر عن شهرين ونصف تقريبًا، يعني أن الاتفاق الذي تم إقراره أمام مكتب العمل تحوّل إلى ورقة بلا قيمة قانونية، أو أن جهة الإدارة قررت من طرف واحد تعطيل التزاماتها.
هنا يصبح السؤال أكبر من شركة بعينها: ما قيمة القوانين الجديدة إذا كان بإمكان صاحب العمل الالتفاف عليها دون خوف حقيقي من المساءلة؟
دار الخدمات انتقدت أيضًا محاولة استخدام "صعوبة الأوضاع المالية" كذريعة لتأجيل صرف الحقوق، مؤكدة أن العمال لا يتحملون مسؤولية سوء الإدارة أو سوء التخطيط أو فشل التسويق.
فصاحب العمل الذي راكم أرباحًا في سنوات سابقة لا يجوز له أن يطالب العامل بتحمل كلفة خسائره أو ركوده منفردًا، بينما لا يجرؤ على الاقتراب من أرباحه السابقة أو امتيازاته الحالية.
في السياق نفسه، تثير الأزمة سؤالًا عن دور أجهزة التفتيش العمالي:
هل يكفي تحرير محضر أو توثيق اتفاق ثم ترك العمال يواجهون مصيرهم؟
أم أن اللحظة تستدعي إجراءات أكثر صرامة، تبدأ بفرض غرامات وتعويضات مضاعفة، وقد تصل إلى تجميد امتيازات الشركة أو وقف بعض أنشطتها إذا استمر انتهاك القانون؟
غياب الردع الجدي يرسل رسالة خطيرة إلى سوق العمل مفادها أن "التمادي ممكن"، وأن ثمن مخالفة قانون العمل أقل بكثير من كلفة احترامه.
مسؤولية الدولة والحركة العمالية… من التضامن إلى فرض احترام الحقوق
بيان دار الخدمات النقابية والعمالية يؤكد "التضامن الكامل" مع عمال «إنتر كايرو»، ويعد باتخاذ الإجراءات التضامنية اللازمة لضمان حصولهم على حقوقهم.
لكن التجربة تثبت أن التضامن وحده – مهما كان صادقًا – لا يكفي إذا لم يُترجَم إلى ضغط منظم، قانونيًا وإعلاميًا ونقابيًا، يجبر الجهات المعنية على التحرك.
مسؤولية الدولة هنا ليست أخلاقية فقط، بل قانونية أيضًا؛ فالدستور والقوانين العمالية تعترف بالحق في أجر عادل وفي توقيت معلوم، وبالحق في حياة كريمة لا تتحول فيها الأجور إلى أداة ابتزاز.
تجاهل مثل هذه الأزمات، أو تركها تذوب في ضجيج اليوميات، يعني تشجيع أصحاب أعمال آخرين على تكرار السيناريو نفسه، في سوق عمل يعاني أصلًا من هشاشة شديدة، وغياب واسع لعقود عمل مستقرة، ومعدلات مرتفعة من العمل غير المنتظم.
من جهة أخرى، تكشف أزمة «إنتر كايرو» محدودية الأطر النقابية الرسمية التي يفترض أن تدافع عن العمال من داخل المنشأة.
غياب نقابة قوية ومستقلة يسهل على الإدارة تفكيك صف العمال، وتأجيل الحلول، وتحويل كل عامل إلى حالة فردية تتفاوض من موقع ضعف.
وهنا تبرز أهمية منظمات مثل دار الخدمات، التي تحاول سد جزء من الفراغ، لكنها تظل في النهاية قوة ضغط خارجية لا تملك أدوات التفاوض الداخلي نفسها التي تملكها النقابات الحقيقية المنتخبة.
في النهاية، ليست قضية عمال «إنتر كايرو» حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة ممتدة من أزمات الأجور والحقوق في مصر.
الجديد في هذه الحلقة أن الانتهاك بات موثقًا، وأن جهة عمالية حقوقية تتبناه علنًا، وأن قانونًا جديدًا يُختبر في أولى معاركه العملية.
السؤال الآن: هل تنتصر نصوص القانون وحقوق العمال، أم يواصل الواقع إنتاج معادلته القاسية التي تدفع فيها الطبقة العاملة كلفة الأزمات الاقتصادية والإدارية، بينما يخرج أصحاب القرار بأقل الخسائر؟

