تدخل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد غير مسبوق في التهديدات العسكرية، وتزامن ذلك مع انطلاق جولة مفاوضات جديدة في العاصمة العُمانية مسقط، في مشهد مركّب يجمع بين الحشد العسكري، والحرب النفسية، ومحاولات اللحظة الأخيرة لتجنب مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.

 

ففي الوقت الذي أعلنت فيه طهران تحولا جذريا في عقيدتها العسكرية من الدفاع إلى الهجوم، دفعت واشنطن بتعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة، وأبقت الخيار العسكري مطروحا كوسيلة ضغط، بينما تتحرك الدبلوماسية ببطء شديد على وقع حسابات إقليمية ودولية معقدة.

 

تحول إيراني من الدفاع إلى الهجوم

 

أعلنت إيران رسميا تخليها عن سياسة "الصبر الإستراتيجي" التي اعتمدتها لعقود، مؤكدة انتقالها إلى عقيدة عسكرية هجومية تقوم على الضربة الاستباقية والرد السريع واسع النطاق.

ويأتي هذا التحول في أعقاب الحرب الأخيرة التي شهدت تبادلا للضربات في المنطقة، والتي دفعت القيادة العسكرية الإيرانية إلى مراجعة شاملة لأسلوب الردع.

 

وقال رئيس هيئة الأركان الإيرانية إن العقيدة الجديدة تعتمد على عمليات خاطفة ومركبة، وتفويض أوسع للقيادات الميدانية، وإعادة انتشار القوات بما يعزز القدرة على المبادرة بدل انتظار الضربة الأولى.

 

وتشير تقديرات عسكرية إيرانية إلى أن التحول لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل تم إدراجه ضمن الخطط التشغيلية وتدريب الوحدات القتالية عليه خلال الأشهر الماضية.

 

ويرى مسؤولون عسكريون إيرانيون أن العقيدة الجديدة تقوم على محورين: تنفيذ ضربات استباقية لمنع الخصم من تحقيق مكاسب، ورفع كلفة أي هجوم محتمل إلى الحد الأقصى.

 

كما تتضمن الاستراتيجية الجديدة دمج حلفاء إيران الإقليميين ضمن معادلة الرد، بما يعني توسيع نطاق أي مواجهة محتملة لتصبح إقليمية وليست ثنائية فقط.

 

قدرات صاروخية ومسيرات تعزز العقيدة الجديدة

 

تزامن إعلان التحول العسكري مع الكشف عن نشر صاروخ باليستي مطور من طراز "خرمشهر-4"، بمدى يصل إلى نحو ألفي كيلومتر ورأس حربي ثقيل وسرعات فرط صوتية.

ويُعد إدخال الصاروخ إلى الخدمة رسالة عسكرية وسياسية في آن واحد، خاصة مع الحديث عن محرك سريع الاشتعال يقلص زمن الإطلاق ويزيد عنصر المفاجأة.

 

كما تشير تقارير إلى تجهيز الجيش الإيراني بمئات الطائرات المسيّرة الجديدة، ضمن شبكة قتالية متعددة الأبعاد تشمل القوات الجوية والبحرية والبرية، بما يسمح بتنفيذ هجمات متزامنة ومركبة إذا اندلع صراع.

 

ويرى مراقبون أن هذا التطوير لا ينفصل عن مسار المفاوضات، إذ تستخدم طهران قدراتها العسكرية لتعزيز موقعها التفاوضي وإظهار قدرتها على الردع.

 

حشود أمريكية ورسائل ردع

 

في المقابل، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، ونشرت حاملة طائرات ومجموعتها الضاربة، مع تنفيذ تدريبات جوية وبحرية مكثفة.

وتؤكد واشنطن أن هذه التحركات دفاعية وتهدف إلى حماية قواتها ومصالحها، لكنها في الوقت ذاته تلوّح بإمكانية استخدام القوة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.

 

وتحدث مسؤولون عسكريون أمريكيون عن حالة تأهب قصوى في المنطقة، واستعداد لتنفيذ أي مهمة محتملة، مع تحميل إيران مسؤولية أي احتكاكات بحرية أو جوية حدثت مؤخرا.

 

كما أشارت تقارير أمريكية إلى أن التهديد العسكري يستخدم كأداة ضغط لدفع إيران إلى تقديم تنازلات في الملف النووي والبرنامج الصاروخي، دون وجود قرار نهائي حتى الآن بشأن عمل عسكري شامل.

 

مفاوضات مسقط.. اختبار الفرصة الأخيرة

 

وسط هذا التصعيد، انطلقت مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في مسقط، بوساطة عُمانية ومشاركة أطراف إقليمية.

وتتناول المحادثات ملفات شديدة التعقيد تشمل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي لطهران، والعقوبات الاقتصادية.

 

وتؤكد إيران أن برنامجها الصاروخي والتخصيب النووي خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية وفرض قيود أشد على أنشطتها النووية مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.

 

ويرى خبراء أن مشاركة مسؤولين عسكريين أمريكيين في المفاوضات تعكس محاولة لإدارة خطر المواجهة المباشرة ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى حجم التوتر غير المسبوق بين الطرفين.

 

ضغوط إقليمية ودولية لمنع الحرب

 

تراقب قوى إقليمية ودولية تطورات المشهد بقلق بالغ، حيث تدعم دول عدة المسار الدبلوماسي خشية انفجار إقليمي واسع.

وقد رحبت عواصم عديدة بالمفاوضات الجارية، مؤكدة أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتجنب حرب قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

 

في المقابل، تمارس أطراف إقليمية ضغوطا باتجاه تشديد الموقف من إيران، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها الصاروخي، ما يزيد من تعقيد المشهد ويقلل فرص التوصل إلى اتفاق سريع.

 

بين التصعيد والتهدئة.. سيناريوهات مفتوحة

 

يرى محللون أن المشهد الحالي يقوم على معادلة مزدوجة: تصعيد عسكري مدروس بالتوازي مع مفاوضات سياسية حذرة. فكل طرف يسعى إلى تعزيز أوراقه قبل أي اتفاق محتمل، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.

 

وتبقى السيناريوهات مفتوحة بين ثلاثة مسارات رئيسية: التوصل إلى تفاهم جزئي يخفف التوتر ويؤجل المواجهة، واستمرار الضغوط والتصعيد دون حرب مباشرة، وانهيار المفاوضات والانزلاق إلى مواجهة عسكرية إقليمية واسعة.

 

في ظل هذه المعادلة، تقف المنطقة على مفترق طرق حاسم، حيث قد تحدد نتائج مفاوضات مسقط شكل المرحلة المقبلة، إما نحو تهدئة مشروطة، أو نحو مواجهة قد تكون الأخطر منذ سنوات.