في مقطع قصير ومتداول على منصات التواصل، يطلّ الإعلامي عمرو أديب مخاطبًا التجار بنبرة بدت إنسانية من الوهلة الأولى: “الناس مش معاها تشتري.. يا تجار دي أيام مفترجة ارحموا الناس، مش كده، الناس بقى استهلاكها وشرائها أقل”.

 

كلمات تلامس وجعًا حقيقيًا يعيشه المصريون، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن خطاب إعلامي مدروس: اعتراف بالأزمة، مع حرص شديد على تجنّب ذكر المسؤول الأول عن صناعة هذه الأزمة، أي السياسات الاقتصادية والمالية التي خنقت دخول الناس ورفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. المقطع يمكن مشاهدته عبر هذا الرابط:

 

بعيدًا عن الدموع اللفظية وعبارات “الرحمة” و“الأيام المفترجة”، يطرح أداء أديب أسئلة أعمق: لماذا يُحاكم التاجر وحده بينما تغيب الدولة من قفص الاتهام؟ ولماذا يُسمح لهذا النوع من “الانتقاد” فقط، بينما يظل مجرد التلميح لمسؤول رسمي أو سياسة بعينها خطًا أحمر يدفع ثمنه كل من يقترب منه؟

 

اعتراف متأخر: الناس فعلاً “مش معاها تشتري”

 

الجملة التي تصدّر بها عمرو أديب خطابه ليست مجرد تعبير عابر، بل تلخيص دقيق لحال ملايين الأسر: “الناس مش معاها تشتري”. اعتراف واضح بأن القدرة الشرائية للمواطن انهارت، وأن الاستهلاك تراجع بشكل حاد، ليس لأن الناس “أصبحت أكثر عقلانية في الإنفاق”، بل لأن الجيب أصبح شبه فارغ، والراتب لم يعد يكفي لسد الاحتياجات الأساسية.

 

هذا الاعتراف، من أحد أبرز وجوه الشاشات الموالية، يحمل دلالة خاصة؛ إذ يأتي بعد سنوات من ترويج لخطاب رسمي يقلل من حجم الأزمة، أو يحمّل الناس مسؤولية ما يجري تحت عناوين من نوع: “إحنا شعب استهلاكي، ما بنعرفش نوفر”، أو “لازم نغير ثقافة الاستهلاك”. اليوم يعترف أديب بأن الاستهلاك انخفض فعلًا، لكن ليس نتيجة صحوة وعي، بل بسبب الفقر وضيق ذات اليد.

 

ومع أن هذه الجملة تمثل تقاطعًا مع الواقع الملموس في الشارع، إلا أنها تظل جزءًا من صورة ناقصة: فهي تقف عند وصف النتيجة، دون الاقتراب من السبب الحقيقي، أي السياسات التي أضعفت الجنيه، ورفعت الأسعار، وفتحت الباب لشركات وكيانات تحتكر الاستيراد والبيع، ثم تُترك بلا رقابة تُذكر.

 

التاجر شماعة جاهزة: كيف يُنقَذ النظام من المساءلة؟

 

حين ينتقل عمرو أديب من وصف حال الناس إلى مخاطبة التجار، يتضح مسار الخطاب أكثر:

“يا تجار، دي أيام مفترجة، ارحموا الناس”.

 

هنا يُعرّف المشهد على أنه صراع بين طرفين فقط: تاجر جشع، ومواطن مكسور الجناح، بينما تغيب الدولة تمامًا من الإطار.

 

بهذا المنطق، تصبح الأزمة مجرد مشكلة أخلاقية عند “التجار”، لا نتيجة بنيوية لسياسات:

 

  • تعويم متكرر للعملة.
  • ضرائب ورسوم متزايدة.
  • ارتفاع كلفة النقل والطاقة.
  • احتكار فعلي لبعض السلع والمسارات.

 

كل ذلك يُمسَح من الصورة، ويُترَك المشاهد أمام حكاية مبسطة:
هناك تاجر لا يخاف الله يرفع الأسعار بلا مبرر، وهناك إعلامي شجاع يناشده أن يرحم الغلابة في “أيام مفترجة”.

 

استدعاء البُعد الديني في عبارة “دي أيام مفترجة” ليس بريئًا؛ فبدل أن يُطرح السؤال: أين دور الدولة في ضبط السوق ومنع الاحتكار ورفع الحد الأدنى للأجور؟ يتحول الأمر إلى مناشدة عاطفية: “خفّضوا أرباحكم من باب الإحسان”. هكذا تتحوّل حقوق الناس الاقتصادية إلى ملف إحسان فردي، ويُرفع العبء عن كاهل منظومة الحكم والرقابة.

 

بهذا، يصبح التاجر شماعة جاهزة يُعلّق عليها كل غضب الناس، بينما تبقى السياسات الرسمية خارج دائرة الضوء، وكأنها قدر لا يمكن مساءلته، أو لاعب لا علاقة له بما يجري في السوق.

 

إعلام التنفيس المضبوط: دموع أمام الكاميرا وتواطؤ خلفها

 

المقطع يكشف أيضًا طبيعة الدور الذي يلعبه إعلام من نوع عمرو أديب في اللحظة الراهنة. وظيفة هذا النوع من البرامج ليست الدفاع الصريح عن السلطة طوال الوقت، فهذا الأسلوب فقد مصداقيته لدى الناس، بل تقديم ما يمكن تسميته بـ“التنفيس المضبوط”:

يسمح للمذيع أن يتحدث عن معاناة الناس، وأن يرفع صوته قليلًا في وجه “التجار” أو “السوق”، لكنه لا يمسّ جوهر السلطة، ولا يسمي سياسات واضحة، ولا يحمل المسؤولية لأجهزة بعينها.

 

بهذا، يشعر المواطن أن هناك من “يقول ما في قلبه” على الشاشة، فيهدأ غضبه قليلًا، بينما يظل أصل المشكلة محفوظًا خلف جدار من المحظورات. لا أحد يقترب من سؤال: من الذي وضع هذه السياسات المالية؟ من الذي اتخذ قرارات الاقتراض والتعويم والمشروعات المكلفة؟ من الذي سمح للاحتكار أن يتغوّل؟

 

في المقابل، يواصل عمرو أديب وأمثاله صناعة صورة إعلامي “قريب من الناس”، يغضب لهم، وينتصر لهم بالكلام، لكنه في لحظة الاختبار الحقيقية لا يجرؤ على تسمية من دمّر قدرتهم على الشراء، ولا يفتح ملف مسؤولية السلطة عن الفقر الذي يئنون منه.

 

هكذا يتحول المقطع إلى مرآة مكشوفة: إعلام يقرّ بأن “الناس مش معاها تشتري”، لكنه يرفض أن يقرّ بأن من أفلس الناس ليست فقط شهوة الربح لدى التاجر، بل منظومة كاملة قررت أن يدفع المواطن ثمن كل فشل اقتصادي ومالي وسياسي، بينما يظلّ كبار المستفيدين خارج دائرة الحساب، حتى ولو كان صراخ الشاشة عاليًا وعبارات “الرحمة” تتكرر كل ليلة.