بينما تغرق الأغلبية الساحقة من المصريين في دوامة الغلاء، وتآكل الأجور، وانسداد الأفق السياسي، يروّج إعلام السلطة هذه الأيام لما يسميه «التعديل الوزاري المرتقب» بوصفه بداية مرحلة جديدة.
لكن التفاصيل التي كشفها مصطفى بكري، وما تسرب من كواليس برلمانية، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: نحن أمام «ترقيع» محدود لحكومة مصطفى مدبولي، يضمن بقاء الركائز نفسها التي صنعت الكارثة، ويفتح الباب فقط لتدوير بعض الوجوه وتغليظ قبضة الإعلام، لا لمراجعة السياسات التي تخنق المصريين منذ سنوات.
مصطفى بكري نفسه أكد أن ملف التعديل «حُسم»، وأنه سيتم قبل حلول شهر رمضان، مع بقاء مدبولي رئيسًا للوزراء، وحديث عن تغيير لا يتجاوز تسع حقائب من أصل 31 وزارة.
مصادر برلمانية نقلت لـ«العربي الجديد» أن بعض الحقائب السيادية قد تطاولها تغييرات شكلية، وأن وزارات خدمية واقتصادية مطروحة للاستبدال، لكن جوهر الحكومة – وزراء السيسي الموثوقون في المالية، والخارجية، والتخطيط، والنقل، والإسكان، والأوقاف، والصحة، والتعليم، والتضامن – سيبقون في مواقعهم، أي أن «العقل» الذي أدار الانهيار باقٍ، والضحايا فقط هم من يتبدلون.
تدوير محدود للوجوه… مدبولي ثابت والسياسات على حالها
وفقًا لما أعلنه بكري، التعديل الجديد سيتم «برئاسة رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي»، ما يعني أن السيسي متمسك بالرجل الذي أشرف على واحدة من أعتى موجات الإفقار والديون في التاريخ الحديث لمصر، من توسّع جنوني في الاقتراض الخارجي، إلى بيع الأصول العامة، فتعويمات متتالية للجنيه أكلت قيمة دخول ملايين الأسر.
المصادر البرلمانية نفسها رجّحت أن التعديل لن يتجاوز تسع حقائب، تشمل وزارتين سياديتين هما الدفاع والداخلية، إلى جانب وزارات خدمية مثل الزراعة، والتعليم العالي، والشباب والرياضة، والتنمية المحلية، وبعض وزارات المجموعة الاقتصادية مثل الكهرباء، والتموين، وقطاع الأعمال العام.
على الورق يبدو هذا «حراكًا واسعًا»، لكن في الواقع هو مجرد إعادة توزيع للكراسي داخل الغرفة نفسها، بإشراف الرجل ذاته، وتحت سلطة الرئيس ذاته، ووفق المنطق ذاته: استمرار نموذج حكم يضع الأمن قبل الإنسان، والمقاول قبل المواطن، والدين قبل رغيف الخبز.
حتى افتراض تغيير وزيري الدفاع والداخلية – إن صح – لا يعني مراجعة دور المؤسسة العسكرية أو قبضة الأجهزة الأمنية، بل غالبًا إحلال أسماء من المدرسة نفسها، بما يضمن استمرار المعادلة: دولة تُدار من أعلى، ومجتمع ممنوع من السؤال أو المحاسبة أو المشاركة الفعلية في تقرير مصيره.
عودة وزارة الإعلام… تضييق جديد على المجال العام لا إصلاح للمنظومة
الرسالة الأخطر التي حملتها تسريبات التعديل ليست في أسماء الوزراء المحتمل خروجهم أو دخولهم، بل في «عودة وزارة الإعلام» بعد سنوات من إلغائها شكليًا.
مصطفى بكري استشهد بظهور لوحة تحمل اسم الوزارة على أحد مباني العاصمة الإدارية الجديدة، واعتبر أن عودتها «مطلب ملح» لتوفير متحدث رسمي وتنسيق العمل بين الهيئات الإعلامية الثلاث.
لكن خبرة السنوات الماضية تقول إن المشكلة في مصر لم تكن يومًا غياب وزارة للوصول إلى «تنسيق إعلامي»، بل في قرار سياسي واضح بخنق المجال العام، وتحويل الإعلام إلى بوق واحد يمجّد الرئيس، ويبرر سياسات الحكومة، ويشيطن أي صوت معارض بوصفه عميلًا أو «ناشرًا للأكاذيب».
عودة وزارة الإعلام في هذا السياق لا تعني انفتاحًا أو تنظيمًا، بل بناء طبقة جديدة فوق البنية الرقابية الثقيلة أصلاً:
- المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
- الهيئة الوطنية للإعلام
- الهيئة الوطنية للصحافة
الآن يضاف إليها وزير سياسي، يملك سلطة مباشرة في توجيه الرسائل، وترتيب الأولويات، وإدارة الحملات، قبل لحظات من قرارات اقتصادية جديدة ستضغط بقسوة على ما تبقى من قدرة المصريين على الاحتمال.
بدل أن تراجع السلطة أسباب انهيار الثقة في إعلامها – من الأكاذيب المتكررة، إلى تجاهل معاناة الناس اليومية – تختار أن تستدعي «وزارة الإعلام» من زمن مبارك، ولكن بأدوات أشد قسوة، في جمهورية تتعامل مع المواطن كطفل يجب أن يُلقَّن ما يسمعه لا أن يشارك في صنعه.
تعديل بلا محاسبة… ونظام يغيّر الواجهة ليبقي الخنق على حاله
أخطر ما في التعديل المرتقب ليس محدوديته فقط، بل الرسالة التي يوجهها: لا محاسبة على سنوات الفشل، لا مراجعة لسياسات أو خيارات، لا مساءلة لوزراء أشرفوا على انهيار الجنيه، وانفجار الأسعار، وهروب الاستثمارات الإنتاجية، وتصاعد القمع، وتلاشي أي أفق لحياة سياسية طبيعية.
الوجوه التي «تحظى بثقة السيسي»، كما تقول المصادر، هي ذاتها التي مررت اتفاقات الديون مع صندوق النقد الدولي، وخطط بيع أصول الدولة عبر الصندوق السيادي، والمشروعات العملاقة التي لم تنعكس إلا مزيدًا من العجز والضرائب والرسوم على المواطن العادي.
الإبقاء عليهم جميعًا مع تغيير عدد محدود من الوزراء، يعني ببساطة أن النظام يرى الأزمة في من لم ينجح في تجميل الصورة، لا في من صنع الكارثة.
في بلد طبيعي، يُسأل وزير المالية عن انفجار الدين، ووزير التخطيط عن غياب رؤية تنموية حقيقية، ووزير النقل عن الحوادث المتكررة، ووزير الإسكان عن الفجوة بين مدن الأغنياء الصحراوية وأحياء الفقراء المكدّسة، ووزير الكهرباء عن فواتير لا تُحتمل وانقطاعات لا تنتهي.
في مصر اليوم، يُحتفظ بكل هؤلاء، ويُقدَّم للناس بدلًا منهم «كبش فداء» من وزارات خدمية، وبعض الرتوش في المجموعة الاقتصادية.
التعديل الوزاري المرتقب، كما تتسرب ملامحه، ليس استجابة لغضب الشارع الذي يختنق تحت أسعار اللحوم والخضروات والفواتير والقروض الاستهلاكية، بل استجابة لحسابات داخلية في دائرة الحكم: كيف نعيد تدوير الحكومة نفسها بحيث تستمر في خدمة المسار ذاته، مع طبقة دعائية أكثر إحكامًا، ووجوه جديدة تتحمل اللوم حتى إشعار آخر؟
بهذا المعنى، يصبح العنوان الحقيقي لما يجري:
السيسي ومدبولي لا يغيّران الحكومة لإنقاذ المصريين، بل يغيران في تفاصيلها ليواصلا خنقهم… بسياسات قديمة، ولكن بطبعة وزارية جديدة.

