في ظاهر الأخبار، تبدو تصريحات شعبة العطارة “مبشرة”: تراجع في أسعار أصناف كثيرة من ياميش رمضان بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، وانخفاض في القراصيا يصل إلى 25–30%، وتراجع في أسعار المكسرات بنحو 20% باستثناء البندق، مع توقف استيراد الزبيب والاعتماد على إنتاج محلي كامل.

 

لكن خلف هذه الأرقام “الإيجابية” تختبئ حقيقة أكثر قسوة؛ فالسوق لا يمر بحالة انتعاش بل يعيش ركودًا حادًا، والقدرة الشرائية للمصريين تتهشم تحت ضربات التضخم وتآكل الدخول، حتى صار كثيرون يمرّون على ياميش رمضان مرور الكرام، ويحوّلون ما تبقى في جيوبهم إلى زيت وسكر وعدس بدلًا من قمر الدين وكافة أنواع المكسرات. تصريحات تجار العطارة وخبراء الاقتصاد تكشف أن التراجع في الأسعار ليس دليل رحمة، بل شهادة جديدة على أن “الزبون اختفى”، وأن رمضان هذا العام قادم بأطباق أقل ووجع أكبر.

 

تراجع الأسعار لا يعني تحسن الأحوال: شعبة العطارة تكشف الصورة الناقصة

 

رئيس شعبة العطارة باتحاد الغرف التجارية، عبد الفتاح رجب العطار، يؤكد أن أسعار أصناف كثيرة من ياميش رمضان شهدت بالفعل انخفاضًا هذا العام مقارنة بعام 2025، موضحًا أن القراصيا تراجعت بين 25% و30%، وأن أسعار جزء كبير من المكسرات انخفضت بنحو 20% مع بقاء البندق وحده خارج القاعدة بسبب أزمة في محصوله العالمي. كما يشير إلى أن مصر توقفت عن استيراد الزبيب بالكامل، وأصبحت تصنّعه محليًا بنسبة 100% وبجودة يعتبرها “عالية للغاية” ومتاحة في مختلف الأسواق.

 

هذه الأرقام تتطابق مع قوائم أسعار منشورة لرمضان 2026، حيث يتراوح سعر الكيلو من جوز الهند كامل الدسم حول 260 جنيهًا، بينما يُسعّر الزبيب النباتي المحلي بالقرب من 200 جنيه للكيلو في كثير من الأسواق، مع تباينات بسيطة بين المحافظات.

 

لكن العطار نفسه، ومعه شعبة العطارة، لا يقدمان هذه التخفيضات بوصفها “عيدية” للمستهلك، بل يربطانها مباشرة بحالة ركود غير مسبوقة وتراجع حاد في حركة البيع والشراء، رغم أن شهر رمضان على الأبواب. فالمصري اليوم لا يملك رفاهية شراء “الكماليات” الرمضانية كما كان يفعل قبل سنوات؛ بل يوجّه ما في يده من نقود إلى الأساسيات: الزيت، السكر، الأرز، الخبز، وربما القليل من الدواجن إن استطاع إلى ذلك سبيلًا. تراجع الأسعار هنا هو انعكاس لعزوف المستهلكين، لا لوفرة في الجيوب ولا لتحسن في الأوضاع المعيشية.

 

ركود تاريخي وتراجع في الواردات: تجار الياميش يروون ما لا تقوله الحكومة

 

من قلب السوق، تبدو الصورة أكثر حدة مما تعكسه تصريحات الغرف التجارية. محمد الشيخ، عضو شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية وأحد كبار مستوردي الياميش، يكشف أن فاتورة استيراد الياميش تراجعت بنحو 30% خلال المواسم الأخيرة، ليس لأن المصريين استغنوا عن “الترف”، بل لأن ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية دفع المستوردين إلى تقليل تعاقداتهم خوفًا من “بضاعة راكدة على الرفوف”. الشيخ يضيف أن استهلاك الياميش نفسه انخفض بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، في اعتراف مباشر بأن الزبون لم يعد قادرًا على الشراء كما كان يفعل قبل موجات الغلاء الأخيرة.

 

هذه ليست المرة الأولى التي يُستدعى فيها الشيخ لشرح حال السوق؛ ففي مواسم سابقة، تحدّث عن أن نفس نسبة التراجع في فاتورة الاستيراد يقابلها زيادة في الأسعار لبعض الأصناف وصلت إلى 80%، ما يعني أن التجار اضطروا لتقليص الكميات المعروضة للتعامل مع مزيج قاتل من الغلاء وانكماش الطلب.

 

على جانب آخر، يلفت محمد عرفة العطار، عضو مجلس إدارة شعبة العطارة بالغرفة التجارية، إلى أن تراجع الأسعار في أسواق الجملة بنحو 20% في سنوات سابقة لم يترجم تلقائيًا إلى انفراجة حقيقية للمستهلك، لأن ما يحدّد قرار الشراء في النهاية ليس سعر الكيلو فقط، بل ما تبقى من الدخل بعد دفع الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والمواصلات.

 

تجار آخرون، في تصريحات متفرقة لوسائل إعلام مصرية وعربية، يشيرون إلى ظاهرة تتكرر كل عام الآن: الزبون يدخل إلى محل العطارة، يسأل عن سعر صنف معيّن من التمر أو المكسرات، ثم يخرج في صمت بعد أن يقارن المبلغ بما في جيبه. بعضهم يشتري “ربع كيلو” بدلًا من كيلو، وآخرون يكتفون ببلح رخيص ويمرّون بجوار الفستق والكاجو كأنهما معروضات في متحف، وليس غذاءً على مائدة يفترض أنها “شهر الكرم”. هذا الركود هو الذي أجبر التجار على خفض الأسعار في بعض الأصناف، لا العكس.

 

خبراء الاقتصاد: التضخم يأكل الدخول ورمضان يتحوّل إلى مرآة للفقر لا للفرح

 

من خارج سوق العطارة، يرى الاقتصاديون أن ما يحدث في ياميش رمضان ليس إلا عرضًا من أعراض مرض أعمق؛ مرض الاقتصاد الذي يعيش في حالة تضخم ممتد وتآكل مستمر في دخول المصريين. الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، حذّرت مرارًا من السياسات التي تعتمد على مسكنات قصيرة الأجل، سواء في شكل دعم نقدي أو دعوات لتثبيت الأسعار لأسبوعين أو ثلاثة، مؤكدة أن منح المواطن مبالغ مالية في اقتصاد يتسم باتجاه تضخمي مستمر يدفع التجار إلى رفع الأسعار بصورة أكبر، ما يلتهم أي زيادة شكلية في الدخل ويحوّل الدعم إلى وقود إضافي للتضخم.

 

هذه الرؤية تفسر كيف يمكن أن تنخفض أسعار بعض أصناف الياميش هذا العام عن 2025، بينما يشعر المواطن أن حياته لا تزال أصعب، بل وربما أكثر ضيقًا. فالمشكلة ليست في سعر القراصيا أو الزبيب وحدهما، بل في أندخل الأسرة نفسه لم يعد يكفي لتغطية سلة الغذاء الأساسية، وأن أي شيء خارج هذه السلة يُعتبر “ترفًا” يجب التضحية به. تقارير صحفية مستقلة كانت قد رصدت في مواسم سابقة زيادات في أسعار ياميش رمضان وصلت إلى 70% و80% في بعض الأصناف، ووثّقت كيف اختفى ما كان يُعرف بـ“ياميش الغلابة” من على موائد شرائح واسعة من المجتمع.

 

في هذا السياق، تصبح تصريحات شعبة العطارة عن “انخفاض الأسعار” بحاجة إلى ترجمة سياسية واجتماعية: نعم، بعض السلع أرخص مما كانت عليه العام الماضي، لكن هذا “الخصم” جاء لأن السوق لم يعد يحتمل مزيدًا من الارتفاع، ولأن التاجر يفضّل بيع الكيلو بجنيهات أقل على ألا يبيع على الإطلاق. انخفاض الأسعار هنا ليس بشرى بتعافي الاقتصاد، بل مؤشر إضافي على أن قدرة الناس على شراء حتى الكماليات الصغيرة بدأت تتآكل، وأن رمضان الذي كان موسمًا للفرح ولمّ الشمل، يتحول تدريجيًا إلى مرآة تعكس اتساع الفجوة بين موائد القلة المترفة وموائد الأغلبية التي تحاول أن تحافظ على شيء من طقوسها الرمضانية بأقل قدر ممكن من الياميش، وبأكبر قدر من القلق على ما سيأتي بعد انتهاء الشهر الكريم.