لم يعد تأجيل تشريع تنظيم التقنيات الزراعية الحديثة – وعلى رأسها المحاصيل المعدلة وراثيًا – مجرد بطء بيروقراطي عادي، بل بات، كما يصفه النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، «فراغًا تنظيميًا مُكلفًا» يدفع ثمنه الأمن الغذائي المصري، والبحث العلمي، والمزارع البسيط، بينما تستفيد منه – على الأرجح – مصالح ضيقة مرتبطة باستيراد الغذاء والتحكم في سلاسل التوريد. سنوات من النقاشات الفنية في مجلس الشيوخ والوزارات المعنية انتهت إلى لا شيء؛ مشروع قانون جاهز في أدراج الحكومة، وملف استراتيجي مُجمّد، وعالم يتحرك بسرعة في مجال التكنولوجيا الحيوية الزراعية، بينما تظل مصر عالقة في منطقة رمادية لا تحمي الصحة ولا تدعم الإنتاج.
فراغ تشريعي يهدد الأمن الغذائي ويشلّ البحث العلمي
محمد فؤاد يذكر صراحة أن تشريع تنظيم التقنيات الزراعية الحديثة ظل عالقًا لسنوات في المسار التشريعي، ما خلق حالة «فراغ تنظيمي» خطير في مجال إدارة المخاطر المرتبطة بالمحاصيل المعدلة وراثيًا وغيرها من التطبيقات الحيوية. المقصود بـ«السلامة الإحيائية» – كما يوضح – ليس فتح الباب على مصراعيه أمام تجارب عشوائية في المعامل والحقول، بل وضع قواعد واضحة لاختبار هذه المحاصيل، وترخيصها، ومراقبة تداولها، قبل السماح باستخدامها تجاريًا على نطاق واسع.
في غياب هذا الإطار، تعيش مصر أسوأ ما في العالمين: من جهة، لا توجد منظومة شفافة وملزمة تضمن أن أي بذور أو مواد وراثية مستوردة أو مزروعة خاضعة لاختبارات صارمة ومستقلة، ومن جهة أخرى، لا توجد قدرة مؤسسية حقيقية على توظيف التقنيات الحديثة لرفع الإنتاجية وتقليل الفاقد وتخفيف الضغط على الاستيراد. بمعنى آخر، الفراغ التشريعي لا يحمي المواطنين من المخاطر، ولا يسمح للدولة بأن تحصد الفوائد.
فؤاد يشير إلى أن تطبيقًا منضبطًا لهذه التقنيات يمكن أن يرفع إنتاجية محاصيل استراتيجية مثل الذرة وفول الصويا وبنجر السكر بنِسَب قد تتجاوز 30%، وهو رقم، إن تحقق، يمكن أن يغيّر المعادلة في ملف استيراد الأعلاف والزيوت والسكر، ويخفّف الضغط عن الدولار وعن ميزان المدفوعات. ومع ذلك، يظل التشريع معطّلًا، والمسألة مؤجلة، وكأن البلد يملك رفاهية الانتظار في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء عامًا بعد عام.
مشروع قانون جاهز.. وحكومة تتلكأ ولوبيات تستفيد
أخطر ما في شهادة محمد فؤاد أنه يقرّ بأن آخر نسخة من مشروع القانون الذي تقدّمت به الحكومة كانت «في مجملها مُرضية» من حيث الإطار التنظيمي العام ومبادئ الحوكمة والاحتراز، أي إن الخلاف ليس جوهريًا حول الفلسفة أو المضمون، بل حول الإرادة السياسية لإخراج التشريع إلى النور. الملف سبق أن نوقش في مجلس الشيوخ، ثم أُحيل إلى مجلس النواب، قبل أن يتبدّد الزخم التشريعي ويتوقف كل شيء عند حدود الكلام.
هنا يطرح فؤاد السؤال الذي تحاول دوائر كثيرة تجنبه: هل هناك «مصالح ضيقة» مرتبطة بالاستيراد أو التوريد تسهم في تعطيل خروج هذا التشريع، لأن وجود إطار واضح للسلامة الإحيائية وتمكين التقنيات الحديثة سيقلّص من نفوذها وأرباحها؟ من المستفيد من أن تظل مصر معتمدة على استيراد ملايين الأطنان من الذرة وفول الصويا كل عام، بدلًا من رفع إنتاجيتها المحلية؟ ومن المستفيد من أن يحدث كل ما يتعلق بالمحاصيل المعدلة وراثيًا في الظل، بلا إطار رقابي شفاف يخضع للمساءلة البرلمانية والعلمية؟
تعطيل قانون يمتلك – وفق النائب – بنية تنظيمية متوازنة، ويستند إلى خبرات فنية تراكمت عبر سنوات، لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات «التحميل التشريعي» أو ازدحام الأجندة. نحن أمام نمط مألوف: ملفات تمس مصالح كبار المستوردين أو شبكات النفوذ في سلاسل التوريد تتعطل، بينما تُمرَّر بسرعة التشريعات التي تشدد القبضة على المجتمع، أو تفتح الباب أمام بيع مزيد من الأصول العامة، أو منح امتيازات جديدة للاستثمار العقاري والريعي.
قانون مؤجل في زمن الأزمات المناخية.. ومنظومة زراعية بلا أدوات حديثة
فؤاد يحذر من أن إدارة هذا الملف لا تحتمل مزيدًا من الإرجاء، في ظل ضغوط هيكلية متراكبة على منظومة الأمن الغذائي: فاتورة استيراد متصاعدة، وتغيرات مناخية تضرب الإنتاجية في دلتا النيل والصعيد، وتراجع مساحات بعض المحاصيل لصالح البناء العشوائي أو مشروعات لا تضيف كثيرًا لقدرة البلد على إطعام نفسه. في مثل هذا السياق، يصبح وجود إطار تشريعي حديث لتنظيم السلامة الإحيائية ليس «ترفًا فنيًا»، بل خط دفاع أساسي لإدارة المخاطر وتوظيف أدوات العلم لصالح المجتمع.
القانون المنتظَر، إذا خرج بصيغة جدية، يمكن أن يوفّر منصة حقيقية للبحث العلمي التطبيقي في الجامعات والمراكز البحثية، بدل أن تبقى الأعمال العلمية في هذا الملف محصورة في رسائل أكاديمية لا تجد طريقها إلى التطبيق. كما يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات مدروسة مع شركات دولية، بشروط مصرية واضحة، لنقل التكنولوجيا الزراعية بدلاً من الاكتفاء باستيراد البذور والكيماويات وتحمّل المخاطر دون امتلاك المعرفة.
لكن ما يحدث هو العكس تقريبًا: قطاع زراعي يُدار بأدوات تنظيمية تقليدية، وقوانين قديمة لا تعرف شيئًا عن التعديل الوراثي أو تقنيات التحرير الجيني، وسط عالم يعيد صياغة خريطته الزراعية وفق هذه التقنيات. مصر، التي تواجه أزمة مياه حادة وتقلّبًا مناخيًا متزايدًا، كان ينبغي أن تكون في مقدمة الدول الساعية إلى تنظيم هذه الملفات بجدية، لا أن تقف في الصفوف الخلفية، مترددة بين خوف غير مبرر من العلم، وتواطؤ محتمل مع مصالح تستفيد من استمرار الفوضى.
في ختام بيانه، يلوّح محمد فؤاد بخيار تقدّم حزب العدل بمشروع قانون بديل إذا استمرت الحكومة في المماطلة، مشروع يستند إلى أفضل الممارسات الدولية ويؤسس لمنظومة ترخيص ورقابة وتقييم مخاطر فعّالة. لكن التجربة المصرية مع تشريعات عديدة تقول إن جوهر المشكلة ليس في صياغة النصوص، بل في قرار سياسي أعلى: هل تريد السلطة فعلًا بناء نموذج زراعي أكثر استقلالية وكفاءة، أم تفضّل إبقاء البلاد في حالة اعتماد مزمن على الخارج، تُدار فيها ملفات الغذاء والتكنولوجيا بمعايير أخرى لا علاقة لها لا بعلم ولا بسياسة رشيدة؟
حتى يُجاب عن هذا السؤال بالفعل لا بالكلام، سيظل ملف «السلامة الإحيائية» رمزًا على عجز المنظومة التشريعية عن مواكبة الزمن، وعلى استعدادها لترك الأمن الغذائي في منطقة الخطر، ما دام ذلك لا يمس مصالح من اعتادوا الربح السهل من كل شحنة قادمة إلى الموانئ… ولو على حساب لقمة عيش المصريين ومستقبل زراعتهم.

