يحلّل الدكتور عبد اللطيف المناوي مقاربة مصر للحرب الدائرة في السودان، ويؤكد أن ما بدا في البداية حذرًا مصريًا يخفي في الواقع استراتيجية محسوبة بدقة، تشكّلت بفعل التاريخ والجغرافيا والمصالح القومية الصلبة. لا تنطلق القاهرة من موقع الحياد أو الارتجال، بل من خطوط حمراء واضحة وأهداف طويلة الأمد وسيناريوهات أعدّت لها بهدوء، بعضها مقبول، وبعضها الآخر ينذر بعواقب وجودية.
يوضح عرب نيوز أن السؤال الحقيقي لم يعد يدور حول ما إذا كانت مصر منخرطة في الأزمة السودانية، بل حول حدود هذا الانخراط، والظروف التي قد تدفعه إلى التحول من دعم سياسي ولوجستي إلى مشاركة أعمق وربما عسكرية. فالسودان بالنسبة للقاهرة ليس أزمة إقليمية عابرة، بل عمقًا استراتيجيًا يمسّ أمن الحدود الجنوبية، وتدفقات الهجرة، وأمن المياه المرتبط بنهر النيل.
السودان كمسألة وجودية في الحسابات المصرية
تنظر القيادة المصرية إلى السودان من خلال ثلاث زوايا وجودية. أولها أن تفكك الدولة أو غياب القانون يفتح فراغًا أمنيًا يسمح بانتقال السلاح والمسلحين وتدفقات بشرية غير منضبطة نحو الشمال. ثانيها أن انهيار دولة عربية أفريقية كبرى يكرّس نمطًا إقليميًا تخشاه القاهرة، يقوم على تطبيع فشل الدول وسيطرة الميليشيات.
ثالثها أن السودان يشكّل ركيزة أساسية في معادلة النيل، وأي سلطة معادية أو فوضوية أو خاضعة لتأثير خارجي في الخرطوم تعقّد موقف مصر الهش أصلًا في ملف سد النهضة الإثيوبي.
من هذا المنطلق، ترفض مصر السماح بتحوّل السودان إلى نسخة جديدة من ليبيا، أي ساحة دائمة الانقسام تتنازعها الميليشيات والرعاة الخارجيون والسلطات المتنافسة.
الخطوط الحمراء: ما لا تقبل به القاهرة
ترسم مصر في السودان خطوطًا حمراء غير قابلة للتفاوض. ترفض أولًا حكم الميليشيات، إذ ترى أن القوات المسلحة السودانية، رغم عيوبها، تمثل فكرة الدولة ذاتها. وترى القاهرة أن إضفاء الشرعية على فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة يهدد النظام الإقليمي برمته.
وترفض ثانيًا تفكك السودان إلى مناطق نفوذ قبلية أو عسكرية أو مدعومة خارجيًا، وتعتبر التقسيم بحكم الأمر الواقع مسارًا كارثيًا. وترفض ثالثًا هندسة مستقبل السودان عبر ترتيبات دولية تتجاوز المؤسسات الوطنية وتكافئ السلاح بالشرعية السياسية.
في جوهر رؤيتها، تسعى مصر إلى بقاء دولة سودانية موحدة، والحفاظ على مؤسسة عسكرية مركزية تمنع الانهيار الكامل، واحتواء النفوذ الخارجي الذي قد يزج بالسودان في محاور إقليمية منافسة، وكسب الوقت إلى أن تنضج عملية سياسية لا تكافئ التفكك.
تعطي القاهرة الأولوية للاستقرار قبل السياسة، وترى أن دولة ضعيفة أقل خطرًا من غياب الدولة، وأن استقرارًا سيئًا أحيانًا يتفوق على فوضى مثالية.
سيناريوهات مفتوحة وحدود التدخل
حتى الآن، تعمل مصر دون عتبة التدخل العسكري المباشر. وتقتصر أدواتها على الدعم الدبلوماسي لمؤسسات الدولة، والتنسيق الاستخباراتي، والدعم اللوجستي، وتسهيل العمل الإنساني، والتحرك إقليميًا ودوليًا لمنع الاعتراف بسلطات موازية. يتيح هذا النهج للقاهرة التأثير في المسار دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.
السيناريو الأرجح حاليًا يتمثل في جمود طويل الأمد، لا يحقق فيه أي طرف نصرًا حاسمًا، بينما تتكرر محاولات وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات. ترى مصر هذا السيناريو مرهقًا لكنه قابل للإدارة، رغم خطورته في تكريس التفكك بمرور الوقت.
سيناريو آخر يتمثل في تسوية سياسية جزئية أو ترتيبات انتقالية توقف القتال دون معالجة جذوره. لا تعارض القاهرة التفاوض، لكنها تشترط بقاء السودان موحدًا، واحتفاظ الجيش بدور مركزي، وعدم منح الميليشيات سلطة سياسية مطلقة. ترى مصر هذه الترتيبات احتواءً مؤقتًا لا حلًا دائمًا.
ولا تستبعد القاهرة التدخل العسكري، لكنها تعتبره الملاذ الأخير، ولا تلجأ إليه إلا إذا انهارت القوات المسلحة السودانية بالكامل، أو ظهرت سلطة معادية شمال السودان، أو تعرضت الحدود الجنوبية أو مصالح النيل لتهديد مباشر، أو ترسخت قوات أجنبية معادية بشكل دائم.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتمثل في انهيار الدولة الكامل. في هذه الحالة، يتحول السودان إلى فسيفساء ميليشياوية، وتصبح حدود مصر الجنوبية مصدر تهديد دائم، وتتدفق الأسلحة واللاجئون، وتفقد القاهرة قدرتها على إدارة ملفاتها الاستراتيجية. وهذا هو المستقبل الذي يفسر حذر مصر الحالي وإصرارها على منعه.
لا تقف مصر موقف المتفرج، ولا تتحرك باندفاع. تراهن القاهرة على الصبر الاستراتيجي، مدركة أن القوة قد توقف الانهيار لكنها لا تبني شرعية. والخطر الحقيقي، كما يخلص التحليل، لا يكمن في تدخل عسكري مصري، بل في وصول السودان إلى درجة من الانهيار تسلب القاهرة حق الاختيار.
https://www.arabnews.com/node/2632272

