في يوم واحد، الثلاثاء 10 فبراير 2026، تحولت شوارع وطرق غرب ووسط الإسكندرية إلى مسرح لحوادث دامية، بطلتها سيارات نقل ثقيل، ونتيجتها قتلى بلا ذنب. انقلاب “تريلا” محملة بالزلط فوق سيارة ملاكي قرب مدخل طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، ثم دهس شاب داخل ورشة إصلاح إطارات بمنطقة القباري، حوادث مختلفة في الشكل، واحدة في الجوهر: فوضى مرورية مزمنة، رقابة غائبة، وثمن يُدفع من أرواح المواطنين. ما جرى اليوم ليس استثناءً، بل صورة مكثفة لواقع يتكرر، دون محاسبة جادة أو حلول رادعة.
كارفور الصحراوي.. حمولة زلط تُنهي حياة شخصين
الحادث الأبرز وقع بمنطقة كارفور، بالقرب من مدخل طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، أحد أكثر المحاور ازدحامًا وحساسية. سيارة نقل ثقيل “تريلا” محملة بكميات كبيرة من الزلط انقلبت بشكل مفاجئ، لتسقط حمولتها مباشرة فوق سيارة ملاكي كانت تمر بجوارها.
النتيجة كانت فورية وقاسية: مصرع مستقلي السيارة الملاكي في الحال، وارتباك كامل في حركة المرور.
بلاغ ورد إلى قسم شرطة محرم بك من إدارة النجدة، لتنتقل على الفور قوات الشرطة والحماية المدنية وسيارات الإسعاف. المعاينة أكدت أن الحمولة الثقيلة سقطت بالكامل فوق السيارة، دون أي فرصة للنجاة. تم نقل الجثمانين إلى مشرحة كوم الدكة، وبدأت عملية رفع آثار الحادث وتسيير الحركة.
رغم الإجراءات الروتينية، يظل السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: كيف تسير سيارات نقل ثقيل بحمولات خطرة داخل نطاقات مزدحمة، دون تأمين كافٍ، أو رقابة صارمة على الحمولة وسلامتها؟
القباري.. ورشة عمل تتحول إلى ساحة وفاة
في حادث آخر لا يقل دلالة، لقي شاب مصرعه دهسًا أسفل عجلات سيارة نقل أثناء تواجده داخل ورشة لإصلاح إطارات السيارات بمنطقة القباري، التابعة لدائرة قسم شرطة مينا البصل.
الضحية، ويدعى إسلام .م.ا، كان يؤدي عمله اليومي، داخل مساحة يُفترض أنها آمنة نسبيًا، قبل أن تنهي سيارة نقل حياته في لحظات.
تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا بالواقعة، وانتقلت الشرطة وسيارة الإسعاف إلى المكان. الفحص أكد الوفاة في موقع الحادث، وتم القبض على السائق، ونقل الجثمان إلى مشرحة كوم الدكة، مع تحرير محضر رسمي، تمهيدًا لعرضه على النيابة العامة.
هذا الحادث يفتح ملفًا مسكوتًا عنه: انتشار ورش ومناطق عمل ملاصقة لمسارات شاحنات ثقيلة، دون فواصل أمان، أو تنظيم مروري حقيقي، ما يجعل العاملين فيها عرضة للموت في أي لحظة.
مشترك واحد.. غياب الردع وطرق بلا حماية
رغم اختلاف مكان وتفاصيل الحادثين، إلا أن القاسم المشترك واضح. سيارات نقل ثقيل تتحرك داخل نطاقات حضرية مكتظة، بحمولات ضخمة، في ظل ضعف واضح في الرقابة المرورية، وغياب إجراءات وقائية فعالة.
لا الحديث عن “خطأ فردي” يكفي، ولا الاكتفاء بتحرير محاضر يغيّر الواقع. تكرار هذه الحوادث يشير إلى خلل هيكلي في إدارة ملف النقل الثقيل، من تراخيص السير، إلى فحص المركبات، إلى تنظيم مسارات الشاحنات وأوقات تحركها.
اللافت أن الضحايا في الحالتين لم يكونوا طرفًا في مغامرة أو مخالفة؛ أحدهما كان يستقل سيارة ملاكي، والآخر يعمل في ورشة. ومع ذلك، كانت حياتهما هي الثمن.
في كل مرة، تُغلق القضية عند حد التحقيقات، بينما يبقى السؤال الأكبر: كم حادثًا آخر يجب أن يقع قبل فرض رقابة حقيقية على الشاحنات؟ وكم ضحية أخرى قبل إعادة النظر في السماح لهذه المركبات بالسير وسط الكتل السكنية بلا ضوابط صارمة؟
خاتمة
ما شهدته الإسكندرية اليوم ليس “حادثين منفصلين”، بل إنذار جديد يتكرر بصيغ مختلفة. شاحنات بلا رقابة كافية، طرق مزدحمة بلا حماية، ومنظومة لا تتحرك إلا بعد وقوع الكارثة.
الضحايا رحلوا، والمحاضر حُررت، والتحقيقات بدأت. لكن ما لم تُتخذ إجراءات جذرية، سيبقى يوم الثلاثاء مجرد رقم في سلسلة طويلة من أيام سوداء، يدفع فيها المواطن العادي ثمن فوضى لم يكن طرفًا فيها.

