عادل صبري
كاتب وصحفي مصري
في بلد يئن من الديون، تدفعه إلى الاقتراض وتعويم عملته على فترات زمنية متقاربة، ويرفع الدعم عن سلع وخدمات أساسية في حياة مواطنيه، تقف المؤسسة البرلمانية التي ولدت تاريخيًا لتراقب ميزانية الدولة وتحدد بدقة توجهات النفقات العامة، لتقدم نموذجًا آخر فريدًا في إهدار المال العام.
بعد إنفاق مليارات الجنيهات (الدولار يعادل 47 جنيهًا) على تركيب أحدث أجهزة المراقبة للحضور والتصويت الإلكتروني، في مبنى مجلس النواب، الذي انتقل منذ شهر للعمل رسميًا بمقره الجديد في العاصمة الإدارية، أمر رئيس المجلس النيابي هشام بدوي بتخلّيه عن التصويت الإلكتروني وكل المنظومة الحديثة المرتبطة به، وقرر العودة إلى نظام "رفع الأيدي"، المنقرض كالديناصورات، بعد أيام من بداية التشغيل الفعلي لمبنى البرلمان العملاق الذي تكلف بناؤه بأسعار 2021 نحو خمسة مليارات جنيه، عدا تكلفة الإنشاءات الداخلية التي فاقت، بأسعار اليوم، أكثر من 15 مليار جنيه.
يأتي تحوّل البرلمان عن مسار التطور التكنولوجي خروجًا على ما يسوّقه النظام عن حداثة العاصمة الجديدة التي أنفق على بنيتها الأساسية أكثر من 50 مليار دولار، لتكون مدينة مركزية متطورة وذكية، تعمل كلّ مرافقها بنظام الذكاء الاصطناعي، ما يعمق الدقة والشفافية والسرعة في أداء المعاملات المالية والرقابية التي يفترض أن تسهم في رفع مستوى الثقة والاقتصاد وخدمات المواطنين.
لم يكن هذا التحول هو الأول من نوعه، فعلى مدى سنوات عاش مجلس النواب موجات متتالية من التطوير، شاهدناها بأعيننا على مدار ثلاثة عقود، استهدفت تحديث بنيته التحتية، وإعادة بنائه بعد حريق 2007، وتركيب أنظمة التصويت والأجهزة السمعية والبصرية وشبكة المعلومات التي توفر للنواب سهولة التسجيل والاطلاع على جدول الأعمال ومتابعة الاجتماعات المهمة والحصول على تقارير الأجهزة الرقابية بالدولة عن أداء الشركات والمؤسسات العامة، حتى وهم خارج القاعة الرئيسية للبرلمان قبل انتقاله من مقره التاريخي وسط القاهرة، وبعد خروجه إلى مقره الكبير في العاصمة الإدارية.
تتسع القاعة لألف نائب وشاشات عرض إلكترونية ومقاعد مزودة بوحدات تصويت حديثة وشبكة بث عالية الجودة، جميعها محيت بقرار سياسي يستهدف إخفاء ما يجري في البرلمان أمام الإعلام وبالتالي المواطنين، لمجرد أن التصويت الإلكتروني، يكشف الحضور الحقيقي داخل القاعة، ولأن البث المباشر يظهر مستوى النواب أمام الشعب، بما يحقق الشفافية التي تظل العدو المطلق لأي مؤسسة ترغب في تعمية الناس عن سير الأمور فيها.
فبدلًا من أن يظهر البرلمان بأنه يحمي المال العام، فإذا به يبدأ نشاطه بتبديد ما أنفقه، على مدار سنوات، ويحمّل الأعباء على ميزانية متجهة إلى التقشف المالي الذي يحرم ملايين المصريين من دعم السلع والخدمات، ويحرمهم من رعاية تعليمية وصحية جيدة، لتتحول الصورة الذهنية عن برلمان ولد ليراقب أموال الشعب، فإذا به يصبح وسيلة من وسائل عديدة لإهدار المال العام، لا تتعدى وظيفته تبرير السياسات التي تضعها الحكومة وتمرير القوانين من دون نقاش والتصويت بالأيدي في قاعة تكلفت مليارات الجنيهات.
بإخفاء التصويت والإلكتروني وعدم البث المباشر للجلسات لم يعد للبرلمان الجديد من وظيفة سوى أنه واجهة للزينة في الحي الحكومي المشيد وسط ناطحات السحاب، وبناء ذو واجهة سياسية فاخرة شكلًا تخدم صورة حلوة بلا مضمون. فماذا يعني امتلاك المبنى لأكبر قبة برلمانية في الشرق الأوسط، إذا كانت الأصوات تحتها خافتة والبث مغلق والتصويت معطل؟!. رغم التكلفة الهائلة، لم يعد السؤال كم تكلف المبنى، بل لماذا تصر السلطة على وجوده والإتيان بنواب غير قادرين على تلاوة اليمين الدستورية بدون أخطاء لغوية كارثية!
على مدار عقود، رأينا صعودًا في حجم الإنفاق على تجهيزات البرلمان، ترتبط عادة بكل فصل تشريعي مدته خمس سنوات، حيث يرغب كل رئيس مجلس بأن يترك بصمته على المقر، فيشتري نظامًا حديثًا، بعضها لم يستخدم لمدة يوم واحد، لأن تدريب النواب والعاملين لم يتم، ولم يتعرف أحد على كيفية تشغيله، وعندما أقيم مبنى العاصمة منذ خمس سنوات، لم تكن تكلفة البناء هي المشكلة، ولكن قيمة عقود التجهيزات الداخلية والتعديلات المستمرة وعقود الصيانة السنوية والمعدات التي أصابها العطن لسوء التخزين، رفعت التكلفة لأرقام فلكية. فالمبنى الجديد مجهز بمقاعد جلدية مستوردة وأجهزة تصويت إلكترونية فردية، وشاشات ضخمة لعرض النتائج لحظيًا، وشبكة بث عالية الجودة، ومنظومة صوت ألمانية الصنع، ونظام تحقق من الحضور بالبصمة وعمالة صيانة وإدارة بعشرات المئات.
السبب المعلن للإلغاء هو "تنظيم الجلسات" بينما جاءت شكوى رئيس المجلس - على لسانه - من عدم وجود النواب بعد أيام من ممارسة مهامه، تبيّن أن التصويت الإلكتروني يكشف عدد الحاضرين الحقيقي، وهناك حاجة إلى إلغاء التصويت في نظام إلكتروني لا يمكن التلاعب به، فإما النائب حاضر أو غائب، بينما رفع الأيادي يسمح بتمرير القوانين ولو في حضور بضعة نواب، فلا أحد يتحقق ولا يسمح للمصريين برؤية نائب واحد يعمل بجدية! وعلى الرغم من عدم وجود تصريحات مباشرة عن البرلمان المصري، تتعلق بشفافيته لدى المنظمات الدولية وصندوق النقد والبنك الدوليين، إلا أن تقارير هذه المؤسسات تظهر "ضعفًا في الشفافية الحكومية وغياب المساءلة البرلمانية".
يكشف تقرير صندوق النقد عام 2023، في نص واضح أن "جودة الرقابة التشريعية على الموازنة وآليت الإنفاق العام تعد من بين أضعف النقاط في إدارة المالية العامة المصرية". وتبيّن وثائق البنك الدولي في تقييم الحوكمة لعام 2022 أن "البرلمان المصري يمارس وظيفة رقابية مستقلة، ولا يملك أدوات شفافية كافية تتيح للمواطن متابعة الأداء المالي للدولة".
هذه المؤسسات لا تتحدث من فراغ، فهي ترى أن البرلمان "الحارس المالي" لا يفعل شيئًا سوى تمرير القرارات الحكومية، بينما يتصرف بشكل غير رشيد، إذ ينفق أموالًا طائلة على مبناه وأعضائه بقوانين خاصة، ويخفي أعماله ويلغي أدوات الشفافية ويمرر القوانين من دون رقابة فعلية، ويمنع الشعب من مراقبته، وكأنه ذراع تشريعي للحكومة وليس سلطة رقابية. هذا ليس انحرافًا بسيطًا، بل نعده انقلابًا كاملًا على فكرة البرلمان بوصفها مؤسسة رقابية تكتسب شرعيتها من سيادة الأمة.
تصل تكلفة تشغيل ومرتبات النواب والعاملين سنويًا إلى نحو أربعة مليارات جنيه، عدا ما تتحمله ميزانية الدولة من دعم لأساطيل السيارات اللازمة لنقل رواده من المدن والأحياء إلى العاصمة التي تبعد 70 كيلومترًا عن وسط القاهرة. كل ذلك لمجرد أنه أصبح لدينا مبنى فخم يليق بدولة غنية، به شاشات عرض حديثة لا تظهر تصويتًا شفافًا، ونملك أكبر قبة لا نملك صوتًا يسمع داخلها، ولدينا أغلى المباني الحكومية، ولا نملك مؤسسة رقابية تدافع عن أموال المصريين، بما يجعله برلمانًا لا يهدر مليارات الجنيهات فقط، بل جوهر الحياة البرلمانية نفسها.

