تزداد مؤشرات الارتهان الخارجي في ملف الطاقة، مع اقتراب استحواذ شركة ألكازار إنيرجي الإماراتية على محطة رياح جبل الزيت على البحر الأحمر، في صفقة تصل قيمتها التقديرية إلى 420 مليون دولار، مقابل أصول استراتيجية موّلتها قروض أجنبية، وستبيع بعدها الكهرباء للدولة المصرية بالدولار لعقود مقبلة.
في الوقت الذي تربط فيه مصر أمنها الطاقي باستيراد الغاز من دولة الاحتلال، تمضي السلطة في بيع واحدة من أكبر محطات الرياح في المنطقة لشركة إماراتية، بما يراه خبراء “خطأ استراتيجي ثانيًا” بعد اتفاقات الغاز، وامتدادًا لسياسة “بيع الأصول لسداد الديون” تحت ضغط برامج صندوق النقد الدولي.
صفقة كبيرة في الظاهر.. عائد محدود ومخاطر طويلة الأجل
الصفقة، وفق ما نشرته نشرة Enterprise الاقتصادية، تقيّم مجمع رياح جبل الزيت بقدرة 580 ميجاوات عند أكثر من 420 مليون دولار، بعد أن كانت المفاوضات السابقة مع شركة أكتيس البريطانية تدور بين 300 و350 مليون دولار.
المجمع نفسه مقام على مساحة تقارب 100 كيلومتر مربع، ويضم ثلاث محطات بتمويل ألماني وياباني وإسباني، بقدرة إجمالية 580 ميجاوات، ما جعله أحد أكبر مشاريع طاقة الرياح في البلاد. ورغم أن الحكومة تروج للصفقة باعتبارها “قفزة في التقييم” ورسالة بأنها لن “تبخس أصولها”، فإن الأرقام تطرح سؤالًا آخر: كم دفعنا أصلًا لبناء هذه الأصول، وكم سنُحمَّل لاحقًا مقابل شراء إنتاجها؟
التقديرات المنشورة تشير إلى أن تكلفة إنشاء المجمع اقتربت من نصف مليار دولار، عبر قروض من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) وبنك التنمية الألماني وحكومة إسبانيا، بإجمالي ديون يقترب من 300 مليون دولار بخلاف الفوائد والمتأخرات. عمليًا، ما تحققه الدولة من بيع أصل استراتيجي بهذا الحجم ليس “مكسبًا استثماريًا ضخمًا”، بل تسوية محدودة لجزء من مديونية قائمة، مقابل التخلي عن مشروع جاهز، ستعود لتشتري إنتاجه من جديد.
الأكثر حساسية أن التسعير المستقبلي للطاقة المنتجة يجرّ البلاد إلى التزامات دولارية طويلة الأجل. موقع صحيفة “البورصة” الاقتصادية أشار إلى أن الشركة المصرية لنقل الكهرباء ستشتري الطاقة من المحطة بسعر يقترب من 3 سنتات لكل كيلوات/ساعة، مع سداد 75 بالمئة من قيمة الفاتورة بالدولار و25 بالمئة بما يعادلها بالجنيه. هذا يعني ضغطًا إضافيًا على رصيد العملة الصعبة، واحتمال نقل جزء من التكلفة إلى المستهلك عبر زيادات متتالية في أسعار الكهرباء.
من زاوية الحكومة، الصفقة تُحتسب ضمن “تدفق استثماري أجنبي” في قطاع الطاقة المتجددة، وتمهيدًا لمزيد من الصفقات في إطار برنامج الطروحات. لكن منتقدين يرون أن الحديث عن “استثمار” مضلل هنا؛ لأن المحطة قائمة بالفعل، والدولة تستبدل ملكيتها المباشرة بعقد طويل الأجل تشتري فيه إنتاج نفس الأصل بالعملة الصعبة.
تمدد ألكازار إنيرجي.. من شريك كبير إلى لاعب مهيمن؟
شركة ألكازار إنيرجي، ومقرها دبي منذ عام 2014، تُقدَّم كمدير صناديق خاصة في البنية التحتية المستدامة، ولديها محفظة واسعة في طاقة الرياح والشمس بعدة دول. لكن حجم حضورها داخل السوق المصري في السنوات الأخيرة يثير مخاوف من تحولها إلى لاعب مهيمن في الطاقة المتجددة.
إلى جانب الاستحواذ المرتقب على مجمع جبل الزيت، تعاقدت الشركة في نوفمبر الماضي على إنشاء مزرعة رياح “نيات” البرية على قناة السويس بقدرة 500 ميجاوات، بتكلفة 600 مليون دولار، بالشراكة مع “سيمنز جاميسا”.
وفي نوفمبر 2024 وقعت مذكرة تفاهم لتطوير مشروع رياح بقدرة 2 جيجاوات لتغذية أكثر من 1.3 مليون منزل، كما تستعد لتنفيذ مشروع ضخم في الزعفرانة بطاقة إجمالية 3.1 جيجاوات (2 جيجاوات شمس، و1.1 جيجاوات رياح)، بنظام البناء والتملك والتشغيل وبيع الكهرباء للدولة بسعر 2 سنت و3 سنتات للكيلوات/ساعة وفقًا لنوع الطاقة.
الشركة أيضًا مساهم رئيسي في مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، بقدرة 1.65 جيجاوات، وفي مزرعة خليج السويس الثانية لطاقة الرياح بقدرة 650 ميجاوات، ما يعني أن جزءًا متزايدًا من سعة الطاقة المتجددة في مصر بات مرتبطًا بشركة واحدة ذات تمويل خارجي.
في هذا السياق، تحولت صفقة جبل الزيت من مجرد عملية بيع إلى سؤال سيادي: ماذا يعني أن تتركز ملكية هذا القدر من مشروعات الرياح والشمس في يد مستثمر واحد، في دولة ترتبط أصلًا بعلاقات متشابكة ومعقدة مع القوى الإقليمية في ملفات الصومال والسودان وليبيا وغزة؟
هذا البعد أشار إليه ناشطون مصريون عبر مواقع التواصل. منشور على فيسبوك للكاتب خالد العسور ربط بين بيع المحطة وبين مسار أوسع من “الرهان على استثمارات الإمارات وإسرائيل في ملفات تمس الأمن القومي المصري”، مع التذكير بخطط وأدوار البلدين في الإقليم.
القلق هنا لا يتعلق فقط بسعر الصفقة، بل بالقدرة المستقبلية للدولة على رسم سياسات تسعير وتوزيع الكهرباء بعيدًا عن تأثير مستثمر خارجي يملك حصة متضخمة من قدرات التوليد النظيفة.
بيع الأصول لسداد الديون.. حلقة مفرغة وغضب متصاعد
تأتي صفقة جبل الزيت ضمن برنامج أوسع لبيع أصول مملوكة للدولة، من بينها التفاوض على بيع محطة كهرباء سيمنز في بني سويف لمستثمرين أجانب، ضمن التزامات مرتبطة بقرض صندوق النقد الدولي البالغ نحو 8 مليارات دولار، والمتعثر في صرف بعض شرائحه.
الدكتور رضا نجيب، الأستاذ الزائر للاقتصاد بجامعة ميشيغان، يرى أن ما يحدث في ملف الطاقة هو “خطأ استراتيجي ثانٍ” بعد ربط السوق المصري بعقود استيراد الغاز من الاحتلال الإسرائيلي.
ينتقد نجيب توجه الإدارة نحو “مشروعات ضخمة عديمة القيمة المضافة الحقيقية”، ثم إهمال قطاعات الإنتاج الرئيسية كالصناعة والزراعة، والاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي، قبل اللجوء إلى بيع الأصول لسداد الديون نفسها، معتبرًا أن “المؤشر ينبئ بأن القادم أسوأ” إذا استمر هذا النمط.
الدكتور أشرف دوابة، رئيس الأكاديمية الأوروبية للتمويل والاقتصاد الإسلامي، يصف ما تقوم به الحكومة بأنه “ترقيع لأزمة ديون”، لا حل جذري لها. يوضح أن اللجوء لبيع أصول استراتيجية ممولة بقروض خارجية لا يخرج عن كونه “ترحيلًا للمشكلة”، متسائلًا: كيف تستدين لبناء أصول ثم تبيع تلك الأصول نفسها لتسدد الديون؟ ويصف هذه السياسة بأنها “حلقة خبيثة غير مجدية لأي اقتصاد”.
من جانبه، يراها الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي عادل صبري “تصرفًا غريبًا”، خاصة أن محطة جبل الزيت كانت تُقدَّم قبل سنوات باعتبارها “أيقونة الطاقة المتجددة” في مصر. صبري ينتقد التنازل عن محطة تم تنفيذ أغلب أعمالها بقروض خارجية، ويربط بينها وبين نموذج محطات سيمنز الثلاث، متسائلًا: “كيف تبني محطات طاقة بمليارات، ثم تبيعها بأقل من تكلفتها أو قريبًا منها، لتعود وتشتري إنتاجها لربع قرن قادم؟”.
على الأرض، تترجم هذه السياسات إلى شعور متزايد بالغضب وعدم الثقة. الناشط السياسي عبد الله النجار كتب على فيسبوك أن ما يجري “ليس استثمارًا، بل نقل ملكية من الحكومة المصرية صاحبة الأرض والمشروع لدولة أجنبية”، معتبرًا أن الاستثمار الحقيقي كان يمكن أن يكون في منح أرض جديدة وتراخيص لإقامة محطة إضافية، بما يضيف لقدرات التوليد ويخلق فرص عمل جديدة، بدلًا من بيع مشروع قائم.
في المحصلة، لا تبدو صفقة جبل الزيت مجرد عملية مالية معزولة، بل حلقة جديدة في مسار: ديون خارجية، مشروعات كبرى، عجز عن السداد، ثم بيع أصول استراتيجية لسد فجوات قصيرة الأجل، مع تحميل المواطن لاحقًا كلفة شراء نفس الخدمة بسعر أعلى.
وبينما تُروَّج الصفقة كـ“نجاح في جذب استثمار أجنبي”، يزداد السؤال إلحاحًا: من يملك قرار الطاقة في مصر خلال العقود المقبلة؛ الدولة أم الدائنون والمستثمرون الأجانب؟

