شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا في حملات أمنية استهدفت لاجئين سوريين وسودانيين داخل مصر، وفق شهادات متطابقة وتقارير حقوقية، شملت توقيفات في الشوارع ووسائل النقل وأماكن السكن والعمل، حتى لمن يحملون بطاقات لجوء أو تصاريح إقامة سارية أو مواعيد رسمية لتجديدها.
ويتزامن هذا التصعيد مع موجة تحريض رقمية ضد اللاجئين، قالت منصات رصد وتحقق إنها منسقة وتستخدم خطاب كراهية ومعلومات مضللة لتبرير إجراءات أكثر صرامة.
توقيفات عشوائية ومسار احتجاز طويل “يدور بين الأقسام”
تصف شهادات ميدانية نمطًا متكررًا: توقيفات مفاجئة تليها إجراءات إخلاء سبيل “إدارية” لا تنهي الاحتجاز فعليًا، ثم تدوير بين أقسام الشرطة والنيابة وإدارات الهجرة والجوازات وأجهزة أخرى، قبل العودة مجددًا إلى القسم. الناشطة المتطوعة السودانية مروة حجازي قالت إن بعض المحتجزين ظلوا “8 و10 أيام” داخل الدائرة نفسها بسبب تعقيد الإجراءات وتعدد الجهات المعنية.
وتضيف حجازي أن التوقيفات لم تقتصر على البالغين، بل طالت أطفالًا “تحت 16 سنة” رغم حيازتهم إقامة سارية، وهو ما اعتبرته سابقة ضمن ما رصدته خلال المتابعة اليومية للحالات، مشيرة إلى صعوبة إدخال الأدوية لكبار السن والمرضى داخل أماكن الاحتجاز.
في المقابل، ظلت وزارة الداخلية بلا بيانات تفصيلية عن نطاق الحملة لأسابيع، قبل أن تصدر بيانًا في 2 فبراير/شباط يتناول واقعة بعينها وينفي رواية متداولة بشأن توقيف لاجئ سوداني في الجيزة، مع الإقرار بصحة توقيف ظهر في فيديو آخر بالإسكندرية بدعوى “الدخول غير الشرعي”.
تحريض رقمي منسق يسبق المداهمات ويبررها
على الجانب الآخر من المشهد، وثّقت منصة “صحيح مصر” ما وصفته بحملة إلكترونية منسقة على منصات التواصل، دفعت بوسوم وخطاب يطالب بـ“ترحيل جميع اللاجئين”، وتزامنت—بحسب رصدها—مع حملات التوقيف على الأرض.
وتعزز تقارير بحثية مستقلة هذا الاتجاه، معتبرة أن التضليل وخطاب الكراهية ضد اللاجئين في مصر لا ينشأ دائمًا بشكل عفوي، بل يمكن أن يُضخَّم عبر شبكات حسابات لإنتاج انطباع “رأي عام غاضب” يسهل تمرير إجراءات استثنائية باسمه.
في هذا السياق، يلفت نور خليل المدير التنفيذي لمنصة اللاجئين في مصر إلى أن البيئة القانونية نفسها ساهمت في هشاشة الحماية؛ فقبل قانون اللجوء الأخير لم تكن هناك منظومة وطنية واضحة، واعتمدت الممارسة على ترتيبات بين الدولة والمفوضية، ما ترك مساحات واسعة للاجتهاد الأمني والإداري عند التعامل مع ملفات الإقامة واللجوء.
فراغ قانوني وانتقادات أممية: أين تقف التزامات مصر؟
تقول منصة اللاجئين في مصر إن الفترة بين 20 ديسمبر/كانون الأول 2025 و31 يناير/كانون الثاني 2026 شهدت “تصعيدًا غير مسبوق” تطور إلى نمط أقرب إلى سياسة عامة، يتضمن مداهمات واحتجاز نساء وأطفال وتزايد محاولات الترحيل أو التهديد به، مع استهداف خاص للسوريين والسودانيين.
ومن زاوية دولية، وجّه أربعة من خبراء الأمم المتحدة تفصيلات قانونية للحكومة المصرية في مراسلة رسمية حول “ترحيلات واعتقالات وانتهاكات” تطال لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين، مع التحذير من تقويض مبدأ عدم الإعادة القسرية وما يرتبط به من مخاطر، بينها الاتجار بالبشر، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة. وحملت المراسلة توقيع المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالأشخاص Siobhán Mullally.
وفي المراسلة نفسها، أشار المقرر الخاص المعني بحقوق المهاجرين Gehad Madi إلى مؤشرات رقمية مقلقة عن ارتفاع توقيفات طالبي اللجوء الذين لديهم إقامة، وازدياد اعتقال المسجلين لدى المفوضية، مع الإشارة إلى صعوبات الوصول للحماية بسبب طول فترات الانتظار لإجراءات الإقامة والضغط الناتج عن مركزية الإجراءات في القاهرة.
داخليًا، طالبت منظمات حقوقية بوقف فوري لحملات التوقيف والاحتجاز والإجبار على “مغادرة قسرية” المرتبطة بمخالفات الإقامة فقط، وبضمان رقابة قضائية فعالة على أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء، وتمكين المفوضية من الوصول للمحتجزين والطعن في قرارات الترحيل قبل تنفيذها.
خلاصة
تكشف الشهادات والتقارير عن معادلة شديدة الحساسية: دولة تواجه ضغوطًا اقتصادية وأمنية وتدير ملفًا معقدًا للهجرة واللجوء، لكنها تفعل ذلك—وفق الروايات الحقوقية—بأدوات توسّع التوقيفات العشوائية وتضعف ضمانات الحماية وتفتح الباب لترحيل أو تهديد بالترحيل حتى مع وجود مستندات سارية.
وبين التحريض الرقمي وتباطؤ المسارات الإدارية، يصبح اللاجئون الحلقة الأضعف، بينما يبقى المطلب المركزي للمنظمات والخبراء واضحًا: إجراءات شفافة، رقابة قضائية، ومسارات قانونية عملية تمنع تحويل الإقامة واللجوء إلى فخ عقابي.
مشاهد توثّق حملة توقيفات تستهدف سوريين في مصر وسط اتهامات بترحيل قسري pic.twitter.com/D9KFCSB1I2
— شبكة رصد (@RassdNewsN) February 7, 2026

