بينما ينشغل البعض بتفاصيل هامشية عن زرار قميص قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي أو نوع المشروب أمامه، تبقى الأسئلة الجدية بلا إجابة: لماذا هذا القدر غير المسبوق من اللقاءات بين السيسي ومحمد بن زايد؟ ولماذا تبدو علاقة القاهرة بأبوظبي أكثر كثافة ودفئًا من علاقتها مع أي طرف عربي آخر، رغم أن ملفات الأمن القومي المصري تتضرر مباشرة من سياسات الإمارات في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي؟
تقديرات معارضين وراصدين لحركة الزيارات تتحدث عن نحو 30 زيارة من السيسي للإمارات، مقابل حوالى 21 زيارة من محمد بن زايد لمصر، وقرابة 15 لقاءً خارج البلدين، أي ما يقرب من 66 لقاء مباشر، في مقابل عدد أقل بكثير من اللقاءات مع الحكام السعوديين. صحيح أن الأرقام الدقيقة تختلف من مصدر لآخر، لكن المؤكد أن وتيرة التواصل مع أبوظبي استثنائية مقارنة بباقي العواصم.
في الخلفية، يتوسع نفوذ الإمارات العربية المتحدة داخل الاقتصاد المصري عبر استحواذات على أصول حساسة، من موانئ إلى أراضٍ ساحلية ومدن جديدة، تحت لافتة “الاستثمار”، بينما يغيب أي نقاش علني جاد حول الثمن السياسي والأمني لهذه الصفقات.
زيارات مكثفة.. تحالف استراتيجي أم تبعية اقتصادية؟
البيانات الرسمية من القاهرة وأبوظبي تقدّم العلاقة بوصفها “شراكة استراتيجية” و”ركنًا من أركان الأمن القومي العربي”، وتُرجع كثافة الزيارات إلى ضرورة “التنسيق السياسي والاقتصادي”.
لكن على الأرض، تأتي الذروة في هذه الشراكة مع إعلان صفقة استثمارية إماراتية ضخمة بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار في منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي، تحصل بموجبها جهة إماراتية (ADQ) على حقوق تطوير واحدة من أهم المناطق الساحلية المصرية، مقابل ضخ عملة صعبة يحتاجها الاقتصاد المصري المنهك.
الصفقة ليست معزولة؛ فقبلها وبعدها، شهدت مصر توسعًا واضحًا في استحواذ صناديق وشركات إماراتية على حصص كبيرة في شركات عقارية، وموانئ، ومحطات حاويات، منها الاستحواذ على أصول في ميناء السخنة على البحر الأحمر وحقوق تشغيل طويلة الأجل في ميناء دمياط.
من زاوية الاقتصاد، تقدَّم هذه الصفقات باعتبارها “فرصة إنقاذ” لاقتصاد يعاني أزمة عملة وديونًا خارجية مرتفعة.
لكن من زاوية الأمن القومي، تثير أسئلة حقيقية:
من يضع الأولوية؟
هل تُدار الملفات الاستراتيجية باعتبارها موردًا للتسييل السريع؟
ومن يضمن ألا تتحول هذه الأصول إلى ورقة نفوذ بيد طرف خارجي، يملك أجندة إقليمية نشطة في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي قد تتعارض مع مصالح مصر نفسها؟
هذه الأسئلة لا تجد مكانًا في البيانات المشتركة المصقولة، ولا في الإعلام الموالي، لكنها حاضرة بقوة في النقاشات داخل أوساط معارضة وخبراء مستقلين يرون أن كثافة اللقاءات لا تنفصل عن تسارع وتيرة بيع الأصول و”تدوير” ما تبقى من قوة تفاوضية مصرية لصالح شركاء بعينهم.
الإمارات وملفات الأمن القومي المصري: شريك أم لاعب متقاطع المصالح؟
في ليبيا، دعمت أبوظبي لسنوات طويلة قوات خليفة حفتر عسكريًا وسياسيًا، في مسار كثيرًا ما تعارض مع مقاربة القاهرة المعلنة، التي تتحدث عن وحدة الأراضي الليبية ورفض الحل العسكري.
في السودان، لعبت الإمارات دورًا ملتبسًا في ملف الدعم السريع والحرب الأهلية الجارية، وسط تقارير دولية تتحدث عن شحنات سلاح، وشبكات تمويل، وارتباطات مع مسارات صراع تمس مباشرة أمن مصر المائي والحدودي والنفسي على خط النيل والبحر الأحمر.
في منطقة القرن الإفريقي وبحر العرب، تمتد استثمارات إماراتية في موانئ ومناطق نفوذ من أرض الصومال إلى جزر يمنية ومرافئ إستراتيجية على خطوط التجارة العالمية، وهي مناطق تمثل تقليديًا عمقًا استراتيجيًا لمصر، لكنها تشهد الآن حضورًا إماراتيًا متزايدًا، أحيانًا بالتنسيق مع قوى دولية، وأحيانًا في تنافس معها.
على الورق، يمكن قراءة ذلك ضمن سعي دول خليجية لتوسيع نفوذها البحري والتجاري. لكن من زاوية مصرية خالصة، السؤال مشروع:
هل مصالح مصر الاستراتيجية في ليبيا والسودان والبحر الأحمر متطابقة بالكامل مع مصالح أبوظبي؟
وإذا كانت الإجابة لا، فكيف تُدار هذه الفجوة داخل هذه “الحميمية” السياسية، خصوصًا عندما يكون الاقتصاد المصري معتمدًا بالشكل الحالي على تدفقات من نفس الشريك؟
الصمت الرسمي لمؤسسات يفترض أنها حارسة للأمن القومي، مثل المخابرات العامة والجيش، يزيد من حدة القلق. لا بيانات توضيحية، لا نقاش في برلمان حقيقي، ولا تقدير موقف معلن يجيب عن سؤال بسيط:
ما حدود ما يمكن التفريط فيه من أصول وموانئ وأراضٍ لصالح طرف إقليمي واحد؟
من يراقب هذه الحميمية؟ وأين مؤسسات الدولة؟
المفارقة أن جزءًا كبيرًا من الخطاب الإعلامي الرسمي ينشغل بلقطات سطحية: كيف يجلس السيسي إلى جوار محمد بن زايد، ماذا يشرب، وكيف يبتسمان أمام الكاميرا، بينما يغيب تمامًا النقاش الجاد حول مضمون عشرات اللقاءات التي عُقدت خلال سنوات قليلة.
في المقابل، تتوسع خريطة الصفقات:
- بيع حقوق تطوير مساحات ساحلية إستراتيجية.
- منح امتيازات طويلة الأجل في الموانئ.
- دخول صناديق إماراتية في ملكية شركات وبنوك ومؤسسات مصرية حيوية.
كل ذلك يجري في ظل أزمة شفافية حادة؛ لا توجد تفاصيل كاملة منشورة عن العقود، ولا مراجعة برلمانية جادة، ولا حوار مجتمعي حول ما إذا كانت هذه الصفقات تخدم حقًا مصلحة المصريين على المدى المتوسط والطويل.
السؤال الذي يطرحه النص الذي استندنا إليه هو نفسه السؤال الذي يجب أن يُطرح علنًا:
ما رأي مؤسسات مصر السيادية فعلًا في هذه الحميمية مع طرف يُتهم في الخطاب المعارض بأنه يلعب في ملفات الأمن القومي المصري في الجنوب والشرق والداخل؟
بمعنى أدق:
هل تملك أجهزة الدولة كلمة فاصلة في تقييم هذه الشراكة وحدودها؟
أم أن القرار الفعلي بات محصورًا في دائرة ضيقة حول شخص واحد، يقرّر وحده من يشتري وماذا يشتري وبأي ثمن سياسي واقتصادي؟
في النهاية، لا يمكن اختزال العلاقة مع الإمارات في أرقام الزيارات وحدها، ولا في صور العناق والابتسامات.
جوهر المسألة يتعلّق بمستقبل بلد يبيع أصوله تحت ضغط أزمة خانقة، لشريك إقليمي يملك مشروع نفوذ واسعًا، في غياب رقابة حقيقية من مؤسسات كان يفترض أن تحمي الأمن القومي لا أن تصمت أمام إعادة رسم خرائطه على موائد مغلقة بين رجلين التقيا – وفق التقديرات المتداولة – عشرات المرات، دون أن يعرف المصريون حتى اليوم: ماذا اتُفق عليهم بالضبط في هذه اللقاءات الـ66؟

