تفتح خطوة السماح بتداول أذون وسندات الخزانة الحكومية للأفراد عبر البورصة المصرية بابًا جديدًا في سوق المال، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة ثقيلة: هل نحن أمام توسيع حقيقي لخيارات الادخار لصالح صغار المستثمرين، أم أمام قناة إضافية لسحب سيولة المصريين لتمويل دين عام متضخم، مع تعميق اعتماد الدولة على جيوب المواطنين بدل إصلاح الاقتصاد؟

 

القرار، الذي يبدأ تطبيقه عبر السوق الثانوية، يسمح لأي فرد بشراء وبيع أذون الخزانة من خلال شركات السمسرة، تمامًا كما يتعامل مع الأسهم، بعد أن كان هذا المجال شبه محتكر للبنوك والمؤسسات المالية وكبار المستثمرين.

 

كسر احتكار البنوك.. لكن على حساب من؟

 

نائب رئيس بنك بلوم مصر السابق، طارق متولي، يرى أن القرار من “أهم القرارات” في سوق المال مؤخرًا، لأنه يفتح بابًا كان مغلقًا أمام الأفراد لسنوات طويلة، ويجعلهم قادرين على الوصول إلى سوق يتجاوز حجمه مئات المليارات من الجنيهات.

 

متولي يشرح الفارق بوضوح:

 

البنك مُلزم بإيداع نحو 18% من أموال المودعين كاحتياطي بلا عائد لدى البنك المركزي، ويأخذ لنفسه هامش ربح، فيحصل العميل في النهاية على ما بين 75–76% فقط من العائد الفعلي الذي تجنيه هذه الأموال عند توظيفها في أذون الخزانة. في المقابل، المستثمر الذي يشتري الأذون مباشرة يحصل على العائد كاملًا على قيمة استثماره، دون أن يشاركه فيه البنك.

 

بهذا المعنى، القرار يضرب احتكار البنوك لعلاقة “الوسيط المضمون” بين المواطن والدولة؛ المواطن يستطيع الآن أن يقفز فوق البنك ويُقرِض الحكومة مباشرة عبر البورصة.

 

لكن هذه الصورة الوردية تخفي جانبًا آخر:

 

الدولة، التي تعاني من عجز مزمن في الموازنة وتضخم قياسي، تفتح قناة جديدة لتمويل نفسها من مدخرات المواطنين، بدل أن تعالج أسباب العجز أو تقلل من نزيف الديون. أذون الخزانة التي كانت تُباع للبنوك وصناديق الاستثمار، ستجد الآن في الأفراد “ممولًا إضافيًا” في لحظة تتزامن مع استحقاقات شهادات ادخار تقترب قيمتها من 1.3 تريليون جنيه، بحسب تقديرات متولي نفسه.

 

عوائد أعلى.. ومخاطر لا تُشرح لصغار المدخرين

 

الخبيرة المصرفية سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر الأسبق، ترى أن أدوات الدين الحكومية – شهادات الادخار وأذون الخزانة – ستظل الخيار المفضل للطبقة المتوسطة في مصر، نظرًا لوضوح العائد واعتبارها أقل مخاطرة من الأسهم. لكنها تحذّر في الوقت نفسه من اندفاع الأفراد إلى البورصة بدافع “البحث عن ربح سريع” دون فهم كافٍ لطبيعة المخاطر.

 

في حالة أذون الخزانة المتداولة في السوق الثانوية، المخاطر ليست صفرًا:

 

الأصل “مضمون” من جهة الدولة من حيث السداد في تاريخ الاستحقاق،

 

لكن سعر الأذن في البورصة سيتأثر بحركة الفائدة وسيولة السوق؛

 

من يضطر للبيع قبل الاستحقاق قد يحقق خسارة رأسمالية إذا ارتفعت أسعار الفائدة أو انخفض الطلب.

 

متولي يشير إلى الجانب الآخر من المعادلة؛ إذا انخفضت أسعار الفائدة لاحقًا، يمكن لحامل الأذن أن يبيعه بسعر أعلى ويحقق مكسبًا رأسماليًا فوق العائد الدوري، وهو ما يجعل الأداة جذابة في بيئة تشهد تضخمًا مرتفعًا وحاجة ملحة لعوائد أعلى على المدخرات.

 

لكن هذا النوع من القرارات يحتاج إلى حماية تنظيمية للمستثمر الصغير.

 

الخبير في أسواق المال عمرو عبد الله يلفت إلى أن طرح أذون الخزانة وأدوات الدين الحكومية في البورصة “فكرة متميزة وخارج الصندوق”، لكنه يشدد على ضرورة أن يسبق التطبيق برنامج توعية حقيقي يشرح للمستثمرين طبيعة المنتج، وفرق العائد، وكيفية قراءة المخاطر، حتى لا يتحول الأمر إلى فخ جديد للمدخرات في غياب ثقافة مالية كافية.

 

في ظل غياب هذا الوعي، قد يجد كثيرون أنفسهم يتحركون بين الودائع والشهادات وأذون الخزانة بشكل عشوائي، تبعًا لتريندات اللحظة وعناوين الصحف، بينما المستفيد الوحيد المؤكد هو الجهة التي تقترض بفوائد أقل من تكلفة التضخم، أي الحكومة.

 

بورصة أكثر عمقًا أم ماكينة إضافية لخدمة الدين؟

 

من زاوية سوق المال، يرحّب أحمد الشيخ، رئيس البورصة المصرية، بالقرار، مؤكدًا أن تداول أذون الخزانة عبر البورصة سيزيد الطلب على هذه الأدوات، ويرفع عدد المتعاملين، ويضيف عنصر جذب جديدًا للسوق، خاصة مع تطبيق نظام تداول أحدث بالتعاون مع ناسداك.

 

خبير أسواق المال أحمد الشافعي يرى كذلك أن إدراج الأذون كأداة متاحة للأفراد سيساعد على جذب مزيد من المشترين والمتداولين، ويدعم شركات السمسرة التي ستجد منتجًا جديدًا لتسويقه لعملائها الباحثين عن عائد ثابت نسبيًا مقارنة بالأسهم الأكثر تقلبًا.

 

لكن هذه المكاسب لا تُغيِّر حقيقة أساسية:

 

البورصة، بدل أن تكون منصة لتجميع رؤوس الأموال لصالح الاستثمار المنتج في الشركات والقطاعات الحقيقية، تتحول تدريجيًا إلى قناة موازية لخدمة الدين الحكومي، عبر بيع أدوات دين أكثر لجمهور أوسع، في اقتصاد يعتمد أصلًا على أذون وسندات الخزانة كأهم رهان للمستثمرين الأجانب.

 

سهر الدماطي نفسها، في سياق آخر، تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الأصول الأجنبية التي عادت إلى النظام المصرفي المصري في 2025 كان مرتبطًا بزيادة مشتريات الأجانب من أذون الخزانة، ما يعني أن أدوات الدين صارت “المنتج الرئيسي” الذي تبيعه الدولة للعالم وللمصريين معًا.

 

في هذا السياق، تبدو خطوة فتح الباب للأفراد مجرد حلقة جديدة في سلسلة توسيع قاعدة من يموِّلون الدين العام، من البنوك المحلية، إلى الأجانب، إلى صغار المدخرين.

القرار، في صورته الفنية، يوسّع الخيارات أمام المواطن، ويكسر احتكار البنوك، ويُدخل لاعبًا قويًا جديدًا إلى سوق أدوات الدخل الثابت.


لكن في صورته السياسية والاقتصادية الأوسع، يعكس استمرار نهج واحد:

 

الدولة تواصل الاعتماد على استدانة مكثفة، وتبتكر طرقًا جديدة للوصول إلى مدخرات الناس، بينما تبقى أسئلة الإصلاح الحقيقي، وتقليل الاعتماد على الدين، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي، مؤجلة إلى إشعار آخر.

 

بين عائد أعلى ومخاطر غير مفهومة، وبين وعود “تعميق السوق” وواقع “تعميق الدين”، سيكون على صغار المدخرين أن يسألوا أنفسهم:

 

هل يريدون أن يصبحوا شركاء مباشرين في تمويل سياسة الدين الحكومية، أم أن الوقت حان للبحث عن معادلة تحفظ مدخراتهم من التضخم، ولا تحوّلها في الوقت نفسه إلى وقود إضافي لعجلة مديونية لا تتوقف؟