أثار التعديل الوزاري الأخير في حكومة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب استمرار السياسات الاقتصادية نفسها، بل بسبب شبهات تلاحق عددًا من الوجوه الجديدة داخل الحكومة.
بين وزيرة إسكان يربطها معارضون بتهم مالية متداولة، ووزيرة ثقافة تخوض نزاعًا قضائيًا أمام محكمة النقض بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية، ووزير صناعة قادم من شركة دولية تتعرض لاتهامات بالمشاركة في تسليح الاحتلال خلال حرب غزة؛ تبدو أزمة التشكيل أبعد من مجرد “تدوير مناصب”، لتتحول إلى سؤال جوهري عن معايير الاختيار والمحاسبة في دولة يدّعي رأسها أنه يخوض “معركة بقاء”.
التقرير التالي لا يدين أشخاصًا بأحكام نهائية، لكنه يرصد ما هو موثّق من قضايا وجدل معلن، ويعرض أسئلة مشروعة حول دلالات وجود وزراء مثار نزاع وشك في حكومة تقول إنها تمثل “الجمهورية الجديدة”.
وزيرة الإسكان بين ثناء رسمي وشبهات متداولة
وصول راندا المنشاوي إلى منصب وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية قُدِّم رسميًا بوصفه تتويجًا لمسيرة تمتد داخل الوزارة منذ أواخر التسعينيات، مع حديث صحف موالية عن كونها “مهندسة المهام الصعبة” وواحدة من أعمدة متابعة المشروعات القومية والعاصمة الإدارية.
في المقابل، يتداول معارضون وناشطون على منصات التواصل روايات عن شبهات مالية سابقة مرتبطة بفترة عملها في مواقع تنفيذية، يتحدث بعضها عن استرداد مبالغ مالية كبيرة لصالح الدولة في تحقيقات داخلية، ويُبنى على ذلك اتهام سياسي بأنها “جزء من منظومة إفساد لا إصلاح”. هذه المزاعم لم تظهر لها حتى الآن وثائق قضائية علنية أو أحكام نهائية منشورة، ولا تذكرها السيرة الرسمية للوزيرة، ما يجعلها في خانة الاتهامات المتداولة لا الوقائع المثبتة.
هذا التباين بين صورة رسمية وردية وسردية معارضة حادة يعكس مشكلة أعمق: غياب الشفافية.
لو كانت هناك قضايا وانتهت بتبرئة أو تسوية، فمن حق الرأي العام معرفة ذلك رسميًا.
وإذا لم تكن هناك قضايا من الأصل، فمن واجب الحكومة الرد على ما يُنشر بشفافية، لا الاكتفاء بتقديم “سيرة ذاتية منقّحة” في صحف محسوبة على السلطة.
وزيرة ثقافة أمام النقض.. ووزير صناعة بخلفية مثيرة للجدل
الجدل الأوضح والأكثر توثيقًا يتعلق بوزيرة الثقافة الجديدة جيهان زكي.
فالوزيرة تخوض بالفعل نزاعًا قضائيًا أمام محكمة النقض، بعدما اتهمتها الكاتبة سهير عبد الحميد بنسخ ما يتجاوز نصف كتابها عن الأديبة قوت القلوب الدمرداشية، وإدخال هذا المحتوى في كتاب أصدرته زكي بعنوان “كوكو شانيل وقوت القلوب.. بين التكوين والتخوين”. قضية التعدي على حقوق الملكية الفكرية نُظرت أمام المحاكم، ولا تزال أوراقها محل فحص فني من نيابة النقض وفق تقارير صحفية حديثة.
وجود وزيرة على رأس قطاع الثقافة، بينما لا تزال متهمة في قضية انتهاك حقوق مؤلفة أخرى، يطرح سؤالاً منطقيًا: كيف يمكن لشخصية متنازع على التزامها بقواعد الاقتباس والنسب العلمي أن تتولى إدارة ملف يرتبط جوهره بحماية الإبداع وحقوق المؤلفين؟
ورغم أن مبدأ البراءة حتى ثبوت الإدانة يظل قاعدة قانونية لا يجوز تجاهلها، فإن اختيار شخصية مثار نزاع قضائي لمنصب بهذا الحساسية يكشف عن استخفاف واضح بمعايير “سمعة المنصب” واحترام الوسط الثقافي.
أما وزير الصناعة الجديد خالد هاشم، فتدور حوله أسئلة من نوع آخر.
الرجل شغل منصب رئيس شمال أفريقيا في شركة هانيويل الأميركية لسنوات، وهي الشركة التي أشارت تقارير صحفية وحقوقية إلى تورطها في تزويد جيش الاحتلال الإسرائيلي بتقنيات وأنظمة مستخدمة في العمليات العسكرية، بما في ذلك حرب غزة، وهو ما جعلها محل انتقاد ضمن حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات في عدد من الدول.
التقارير المعارضة التي تناولت تعيين هاشم ترى أن تولّي مسؤول كبير سابق في شركة مرتبطة بتسليح الاحتلال حقيبة الصناعة في دولة تقول إنها “منحازة للقضية الفلسطينية” يعكس انفصامًا أخلاقيًا، ويطرح احتمال تضارب المصالح، على الأقل في صورة مصر أمام الرأي العام العربي. في المقابل، لا تعلّق الحكومة على هذه الخلفية إلا بالتركيز على خبرته “الدولية” وقدرته على جذب الاستثمارات.
مرة أخرى، لا يدور النقاش هنا حول إدانة جنائية للوزير، بل حول سؤال سياسي وأخلاقي: هل جرت مراجعة كافية لتاريخ الشركات التي عمل لحسابها، وطبيعة عقودها العسكرية، قبل منحه حقيبة بهذا الوزن؟
أزمة معايير.. عندما يصبح الجدل قاعدة في اختيار الوزراء
هذه الأمثلة، ومعها أسماء أخرى يتهمها معارضون بالارتباط الوثيق بدوائر نفوذ في الإمارات أو بمصالح تجارية مشتركة مع رجال أعمال مقربين من إسرائيل، تشير إلى نمط متكرر في تشكيل الحكومات في عهد السيسي:
• غياب واضح لآلية شفافة لتدقيق خلفيات المرشحين قبل توزيرهم.
• تجاهل القضايا المنظورة أو النزاعات الأخلاقية عند الاختيار، ما دام المرشح جزءًا من الدائرة الموثوق بولائها.
• ترك الرأي العام يتعرف على هذه الخلفيات عبر تسريبات ومنشورات معارضين، لا عبر بيانات رسمية أو جلسات استجواب برلمانية حقيقية.
في الأنظمة الديمقراطية، يكفي أحيانًا تحقيق صحفي جاد أو شكوى موثقة في ملف نزاهة لعرقلة تعيين وزير، أو لدفعه إلى الاستقالة.
أما في مصر اليوم، فيبدو أن الجدل المثار حول الوزراء لا يمثل عائقًا، بل أصبح جزءًا من المشهد العادي.
النتيجة أن الثقة العامة في الحكومة تتآكل أكثر.
فبدل أن يُنظر إلى التعديل الوزاري كفرصة لتصحيح المسار، يراه قطاع واسع من المصريين استمرارًا لمنطق “المحاصصة داخل الدائرة الواحدة”، مع إضافة وزراء مثار شك إلى منظومة تفتقر أصلًا إلى الحد الأدنى من المحاسبة.
في بلد يعاني من أزمة اقتصادية طاحنة، كان من المفترض أن يكون معيار النزاهة والسمعة فوق أي اعتبار آخر.
لكن ما جرى يعكس شيئًا آخر: نظام مستعد لتحمّل كلفة سياسية وأخلاقية عالية، ما دام يضمن ولاء من يختارهم، حتى لو كان بعضهم يدخل الوزارة وخلفه ملفات مفتوحة في القضاء أو علامات استفهام ثقيلة في الإعلام والرأي العام.

