تقدّم مارلين ماكدونالد في هذا المقال قراءة علمية وعملية لفعل بسيط نمارسه جميعًا بدرجات متفاوتة: الحديث مع النفس. وتوضح الكاتبة أن هذا السلوك، الذي يُساء فهمه غالبًا ويُربط بالغرابة أو التدهور المعرفي، يُعد في الحقيقة أداة معرفية قوية تساعد على التركيز، وحل المشكلات، وتنظيم المشاعر، وتعزيز الدافعية.
يقدّم موقع سايك المقال بوصفه دليلًا تطبيقيًا يستند إلى علم اللغة النفسي، ويشرح كيف يمكن توظيف الحديث الذاتي بوعي للحصول على فوائده بدل تركه يعمل بشكل عشوائي.
الأساس العلمي لفوائد الحديث الذاتي
تشرح الكاتبة أن التفكير بالكلام – سواء موجّهًا للذات أو للآخرين – ينشّط آليات دماغية تتطلب تركيزًا عاليًا. فعندما نصوغ فكرة في كلمات، نضطر إلى اختيار مفردات دقيقة من مخزون لغوي ضخم، وهو ما يدفع العقل إلى تثبيت الهدف أو الفكرة محل الحديث.
على سبيل المثال، عندما تقول لنفسك أو لزميلك: «أحتاج إلى إنهاء هذا التقرير اليوم»، لا تكتفي بإبلاغ معلومة، بل ترفع مستوى وعيك بالهدف وتزيد احتمالية الالتزام به. فعملية النطق نفسها تعيد ترتيب الأولويات وتقلّل فرص التشتت.
وترى الكاتبة أن هذا الأثر لا يقتصر على المواقف الاجتماعية، بل يمكن استدعاؤه عمدًا عبر الحديث مع النفس، بصمت أو بصوت مسموع أو كتابةً، لتحقيق وضوح فكري وسلوكي أكبر.
استخدم الحديث مع النفس لتوضيح الأهداف
تقترح ماكدونالد توظيف الحديث الذاتي عندما يتعثر التقدم في مهمة ما. يبدأ ذلك بتسمية الهدف بدقة، وشرح سبب أهميته، ثم تحديد خطوات عملية للوصول إليه.
الوضوح هنا عنصر أساسي. فبدل الاكتفاء بعبارة عامة مثل «هذا العمل مهم»، تدعو الكاتبة إلى ذكر الأسباب المحددة لأهميته، ثم تفصيل الخطوات: تقسيم المهمة، طلب ملاحظات، أو إزالة المشتتات.
هذا النمط من الحديث يكشف الفجوات في التفكير، وقد يوضح أن المشكلة ليست في المهمة نفسها، بل في غموض الخطوات أو في تراجع الدافع. ومن خلال «حوار داخلي» منظم، يستطيع الفرد اختبار زوايا نظر مختلفة واتخاذ قرارات أكثر اتزانًا.
صقل الحديث الذاتي في المواقف الضاغطة
لا يقتصر دور الحديث مع النفس على إنجاز المهام، بل يمتد إلى التعامل مع الضغط. تشير الكاتبة إلى أن الرياضيين يدرّبون أنفسهم على عبارات محددة تساعدهم على التركيز تحت الضغط، ويمكن لأي شخص تبني الفكرة نفسها.
تشمل هذه العبارات تذكير الذات بما يمكن التحكم فيه، وتجاهل ما يقع خارج السيطرة، إضافة إلى استحضار نقاط القوة الواقعية بدل الاكتفاء بتأكيدات عامة. فحين يقول الشخص: «أنا منظم، واجهت هذا من قبل، ويمكنني تكييف خبرتي السابقة»، فإنه يعزّز الدافعية ويحوّل الحديث الذاتي إلى أداة حل مشكلات لا مجرد تشجيع عاطفي.
الحديث مع النفس لتنظيم المشاعر
تؤكد ماكدونالد أن الحديث الذاتي فعّال أيضًا في تهدئة الانفعالات. فالمشاعر السلبية غالبًا ما تكون مبهمة، وتسميتها بدقة – مثل التمييز بين الغضب والقلق وخيبة الأمل – يخفف حدتها ويساعد على فهمها.
تقترح الكاتبة تقنية أخرى تتمثل في مخاطبة النفس بضمير المخاطب أو بالاسم الشخصي، ما يخلق مسافة نفسية بين الفرد والموقف المزعج. هذه المسافة تقلّل الاندفاع وتفتح المجال للتفكير المنطقي في الخطوات التالية بدل الانجراف وراء ردود فعل حادة.
الحديث مع النفس عن الماضي وبناء المعنى
إلى جانب الاستخدام الفوري، ترى الكاتبة أن الحديث الذاتي – خاصة في صورة كتابة يوميات – يساعد على معالجة التجارب الماضية. فالكتابة أبطأ من الكلام، ما يمنح العقل وقتًا للتأمل، ويتيح الرجوع إلى الأفكار لاحقًا لإعادة تقييمها.
تنصح الكاتبة بالمواظبة على هذا الأسلوب، ولو لدقائق يوميًا، والكتابة عن التجارب السلبية والإيجابية معًا، مع التركيز على التفاصيل والمشاعر المصاحبة لها. فهذه العملية لا تهدف إلى اجترار الألم، بل إلى بناء فهم أعمق للتجربة واستخلاص الدروس.
يقدّم المقال رؤية متوازنة للحديث مع النفس بوصفه مهارة معرفية يمكن تعلّمها وصقلها. فعندما يُستخدم بوعي، يتحول من عادة تلقائية إلى أداة قوية للتفكير الواضح، وإدارة المشاعر، وبناء الدافعية، والتعلّم من التجربة. وبهذا المعنى، لا يبدو الحديث مع النفس علامة ضعف أو غرابة، بل ممارسة ذهنية ذكية تعزّز القدرة على التعامل مع تعقيدات الحياة اليومية.
https://psyche.co/guides/how-to-use-self-talk-to-clarify-your-thinking-and-emotions

