داخل مجلس النواب، لم تكن المواجهة بين لجنة القوى العاملة ومسؤولي وزارة التربية والتعليم مجرد “مناقشة روتينية”، بل كانت كاشفة لطبقات من الخلل المتراكم: منظومة تُدار بالأرقام على الورق، بينما يعيش ملايين المعلمين والطلاب على وقع التأخير، والارتجال، وتحميل الأسر فاتورة الأزمة. ومع وجود قرابة 25.8 مليون طالب في التعليم قبل الجامعي، يصبح أي تهاون في إصلاح التعليم مقامرة بمستقبل بلد كامل.

 

معلم الحصة.. أجر هزيل وتأخير ينسف الكرامة

 

أزمة “معلمي الحصة” ليست تفصيلة جانبية؛ هي عنوان فاضح لفشل الإدارة المالية في التعليم. فبحسب ما نُشر عن شكاوى المعلمين، هناك من يتقاضى نحو 1100 جنيه شهريًا مقابل حصص تُنفَّذ فعليًا، ثم تُؤجَّل مستحقاته أشهرًا، وهو رقم لا يقترب حتى من الحد الأدنى للعيش الكريم.

 

واللافت أن الوزارة ظلت تعلن قرارات “للصرف الشهري دون تأخير”، بينما تستمر الأزمات وتتكرر الشكاوى، بما يعني أن المشكلة ليست قرارًا إعلاميًا بل آلية تنفيذ مختلة ومحاسبة غائبة.

 

وفي زاوية أكثر عمقًا، يرى عبد الحفيظ طايل (الأمين العام لنقابة المعلمين المستقلة ومدير مركز الحق في التعليم) أن الدولة تميل إلى “رفع يدها” عن مسؤولية الأجور، بما يفتح الباب عمليًا لتغذية الدروس الخصوصية كبديل غير معلن.

 

حتى داخل الإطار النقابي الرسمي، كان حامد الشريف (الأمين العام المساعد لنقابة المهن التعليمية) قد طالب بالإسراع في صرف المستحقات المالية للمعلمين وعدم تركها رهينة المماطلة، لأن تأخير المستحقات يُحوّل المعلم إلى “مواطن مؤقت” في وطنه.

 

إنفاق يتضخم.. وعائد غائب على الطالب والأسرة

 

حين يقف نائب تحت القبة ليسأل: لماذا تقفز كلفة الكتب والمصاريف؟ فالسؤال له ما يبرره على الأرض. فتكلفة طباعة الكتب المدرسية وحدها قُدِّرت بنحو 13 مليار جنيه مع قفزات كبيرة مقارنة بسنوات سابقة، في وقت تُطالب فيه الأسر بالسداد وتُترك المدارس تعاني نقصًا في أبسط الموارد.

 

وحتى في المدارس الرسمية المتميزة للغات، تظهر الأرقام مدى الضغط على الأسرة؛ إذ وصلت “مصروفات الكتب” للمرحلة الابتدائية إلى مستويات تقارب 4,190 جنيهًا في بعض الصفوف، وهو رقم يفسر غضب النواب وأولياء الأمور من اتساع الفجوة بين الإنفاق والنتيجة.

 

وفي المقابل، يستمر نزيف “مشروع التابلت” بمخصصات بمليارات الجنيهات: تقارير برلمانية ناقشت تعديلات ومبالغ تقارب 8.64 مليار جنيه، بينما تتحدث تغطيات أخرى عن مخصصات تدور حول 7.7 مليار في عام و9.6 مليار في عام تالٍ، دون شفافية كافية حول العائد التعليمي الحقيقي مقارنة بحجم الإنفاق.

 

وهنا يقدّم هشام فؤاد (نقابي وكاتب وباحث) قراءة قاسية لمنطق “الحزم الاجتماعية”؛ إذ يرى أن قرارات رفع الحد الأدنى للأجور كثيرًا ما تتحول إلى «حبر على ورق» بينما تظل قطاعات واسعة تناضل لتطبيق قرارات سابقة أصلًا—والمنطق نفسه يتكرر في التعليم: إعلان فوق، وتعثر تحت.

 

عجز المعلمين والفصول.. بين “إغلاق الملف” وواقع المدارس

 

الحكومة تطرح رواية مطمئنة: وزير التعليم تحدث عن عجز سابق وصل إلى 469 ألف معلم ثم قال إنه “تم التعامل معه” وإنه “لا توجد مدرسة تعاني عجزًا في المواد الأساسية”، مع الاعتماد على حلول “فنية” ومعلمي الحصة.

 

لكن هذه اللغة—لغة “إغلاق الملف”—تصطدم بالواقع الذي يطرحه نواب ولجان: احتياج تعيينات أوسع، وفصول غير كافية، وكثافات تُدار بترقيعات. وحتى حين يُقال إن الوزارة أدخلت ما يقارب 98 ألف فصل إلى الخدمة لتقليل الكثافات، يبقى السؤال: هل هذه معالجة جذرية أم إعادة توزيع للأزمة؟

 

ومن زاوية نقابية أشد صدامًا، يكتب كمال عباس (المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية) أن الحكومة كثيرًا ما تُحمّل الفقراء ثمن الأزمات عبر رفع الأسعار، وتنسحب من تقديم خدمات أساسية “مثل الصحة والتعليم”، ثم تبيع ذلك للناس باعتباره “في مصلحتهم”. هذا المنطق—حين يُسقط على التعليم—يفسر لماذا يدفع المعلم والأهل الثمن، بينما تبقى المنظومة تدور في الحلقة نفسها.

 

في النهاية، ليست الأزمة نقص تصريحات ولا نقص “جلسات موسعة”، بل نقص المحاسبة والشفافية: صرف منتظم لمستحقات المعلمين، تقييم مستقل لعائد الإنفاق (خصوصًا التابلت)، وخطة تعيينات وفصول مرتبطة باحتياج حقيقي لا بتجميل الأرقام. بدون ذلك، ستظل الحكومة—أياً كان وصفها السياسي عند خصومها—تدير التعليم كملف علاقات عامة، لا كمستقبل وطن.