رغم الخطاب الرسمي المتكرر عن «تمكين ذوي الهمم» و«عام ذوي الإعاقة» وحزم الدعم المزعومة، يعيش نحو 10.7 مليون مصري من ذوي الإعاقة، بحسب الأرقام الحكومية نفسها، واقعًا يوميًا أقرب إلى الحصار منه إلى الدمج.

 

فالسلطة تتحدث عن كود إتاحة برقم (601)، وقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، بينما لا يجد فاقدو وضعاف البصر وذوو الإعاقة الحركية رصيفًا آمنًا، أو أتوبيسًا يمكنهم دخوله دون أن يُحمَلوا كالأمتعة، أو مترو مزودًا بما يلزم من مصاعد ومسارات وإرشاد صوتي.

 

شوارع خطرة ورصيف غائب.. «الإتاحة» تبدأ من الحق في المشي

 

تشرح الدكتورة ياسمين مطر، خبيرة الإعاقة والتدخل المبكر وعضو المجلس القومي للإعاقة، أن تقييم أوضاع الإتاحة في الطرق ووسائل المواصلات يكشف «قصورًا كبيرًا يحتاج إلى تعديل جذري».

 

تقول إن حوادث عديدة يتعرض لها ذوو الإعاقة، خصوصًا ذوو الإعاقة البصرية، تكشف حجم الخطر القائم في الشارع: غياب قواعد مرورية واضحة، سلوكيات قيادة عدوانية، ودراجات نارية تصطدم بمن يتحركون ببطء بسبب إعاقة حركية، فيتحول الطريق إلى مساحة طاردة لهم لا إلى حق عام.

 

تضيف مطر أن المشكلة تبدأ من الأرصفة نفسها. الأرصفة في مدن كثيرة غير صالحة للاستخدام أساسًا: لا منحدرات حقيقية، ولا اتساع يسمح بمرور الكراسي المتحركة، مع انتشار أشجار مزروعة عشوائيًا تعوق الحركة، وإشغالات من محال تجارية تحتل الرصيف بالكامل وتجبر المشاة على النزول إلى نهر الطريق. في هذا المشهد، يصبح الشخص ذو الإعاقة الحركية أمام خيارين أحلاهما مر: إما المخاطرة بالحياة وسط السيارات، أو حبس نفسه في البيت.

 

الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، يلخّص الأمر بوضوح: «نحن لم نوفّر بعد رصيفًا صالحًا للمواطن العادي، فكيف نتحدث عن مدينة صديقة لذوي الإعاقة؟».

 

يرى أن الاعتداءات على الأرصفة داخل المدن جعلت استخدامها شبه مستحيل، وأن أي حديث جاد عن الإتاحة يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار للرصيف: مساحة آمنة، متصلة، مزودة بمنحدرات ومعايير تصميم تراعي الكراسي المتحركة والعكازات، قبل الحديث عن كود وأرقام وورش دعائية. 

 

نقل عام «معادٍ» لذوي الإعاقة البصرية والحركية

 

في النقل العام، تبدو الهوة بين شعارات الحكومة وواقع الركاب أكبر.

 

الدكتورة دعاء مبروك، المديرة التنفيذية لمؤسسة «بصيرة» لتأهيل ودمج ذوي الإعاقة البصرية، تعترف بوجود تحسن محدود في بعض خطوط المترو الأحدث وبعض محطات القطارات، لكنها تعتبره «تحسنًا جزئيًا لا يرقى إلى المعايير الدولية، ولا إلى ما ينص عليه قانون ذوي الإعاقة نفسه».

 

تشير مبروك إلى أن وسائل النقل ما زالت تفتقر إلى أبسط متطلبات الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية:

 

  • غياب الإرشاد الصوتي المنتظم داخل العربات.
  • أزرار تنبيه غير واضحة أو في مواضع يصعب الوصول إليها.
  • نقص العلامات البارزة التي توجه فاقدي البصر في المحطات والأرصفة.

 

تضيف أن السائقين والمحصلين غالبًا غير مدرَّبين على التعامل المهني مع هذه الفئة؛ ما يجعل الشخص الأعمى أو ضعيف البصر معتمدًا بالكامل على «مزاج» من حوله، وليس على نظام نقل يحترم حقه في الاستقلالية.

 

في الأتوبيسات، تصبح الإعاقة الحركية عبئًا مضاعفًا. الأتوبيسات لا تحتوي على منحدرات أو أنظمة خفض تلقائي تسهّل صعود الكراسي المتحركة، كما هو متعارف عليه عالميًا؛ بل يعتمد الأمر على حمل الشخص يدويًا، في مشهد يراه كثيرون مهينًا ويعرضهم لخطر السقوط. لا توجد مساحات مخصصة للكراسي المتحركة، ولا حواجز تمنع انزلاقها أثناء الحركة، ولا زر إيقاف في مستوى منخفض يناسب الجالسين على كرسي متحرك.

 

في المترو والقطارات، ترصد ياسمين مطر مشكلات أخرى: سلالم كهربائية لا يمكن استخدامها بأمان، سلالم عادية مرهقة وخطرة، منحدرات غير مطابقة للمواصفات، ومصاعد غائبة أو معطلة في محطات كثيرة. النتيجة أن محطة مترو واحدة قد تتحول إلى «حائط صد» يمنع ذوي الإعاقة من الوصول إلى عملهم أو دراستهم.

 

أما السلوكيات الاجتماعية، فتزيد الصورة قتامة. تشير مطر إلى أن التعامل بنبرة شفقة، أو لمس النساء من ذوات الإعاقة بحجة المساعدة، يمثل انتهاكًا لكرامتهن، ويكشف غياب ثقافة احترام الاستقلالية والحدود الشخصية.

 

قانون بلا تطبيق وكود معطّل… والقرار سياسي قبل أن يكون هندسيًا

 

قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، وكود الإتاحة 601، واللوائح التنفيذية الصادرة عن وزارتي النقل والإسكان… كلها موجودة على الورق. لكن الواقع، كما تصفه دعاء مبروك، هو «فجوة واسعة بين النص والتطبيق».

 

توضح أن القاهرة الكبرى والإسكندرية تتمتعان نسبيًا ببعض عناصر الإتاحة بفضل مشروعات نقل حديثة، لكن حتى هذه الجهود تظل مجتزأة وغير مكتملة، بينما تغيب الإتاحة تقريبًا في معظم المحافظات الأخرى حيث لا رقابة فعّالة ولا تدريب للكوادر ولا تنسيق حقيقي بين الجهات المنفذة.

 

شركات النقل الخاصة، خصوصًا الميكروباص والسرفيس، خارج الصورة بالكامل. لا تقييم للإتاحة ضمن شروط الترخيص، ولا عقوبات واضحة على المخالفة، ولا جهة واحدة تتحمل مسؤولية إلزامية بتعديل الأوضاع.

 

هنا يبرز اسم الدكتور أشرف مرعي، المشرف العام السابق على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، الذي ظل لسنوات يتحدث في حوارات صحفية عن أن قانون ذوي الإعاقة «دليل على دعم الدولة لحقوقهم». لكن استقالته بعد ست سنوات من موقعه، دون أن يشهد الشارع والتحرك اليومي لذوي الإعاقة تحولًا جوهريًا، تكشف التناقض بين لغة الإنجاز الرسمية وواقع التنفيذ.

 

الدكتور حسن مهدي يربط بين البنية التحتية والثقافة المجتمعية، مؤكدًا أن إتاحة الحركة داخل المدن تعتمد على شقين متكاملين: رصيف آمن ومجهز، وثقافة تحترم المساحات المخصصة لذوي الإعاقة داخل وسائل النقل. من دون الاثنين معًا، تتحول معايير الكود والقانون إلى شعارات بروتوكولية تستخدمها السلطة في المؤتمرات، بينما يواصل ذوو الإعاقة دفع الثمن يوميًا في الشارع والمواصلات.

 

خلاصة ما يقوله الخبراء أن المشكلة ليست في نقص النصوص، بل في غياب إرادة حقيقية لتطبيقها، وفي نظام يفضّل تجميل الصورة بخطاب «ذوي الهمم» على أن يلتزم بالحد الأدنى: رصيف يمكن السير عليه، وأتوبيس يمكن صعوده دون إهانة، ومترو لا يتحول إلى فخ لذوي الإعاقة كلما تحركوا من محطة إلى أخرى.