تخضع شخصية دينية إسرائيلية بارزة في إحدى مناطق الشمال لتحقيقات جنائية معقدة، بعد اتهامات متراكمة بارتكاب جرائم جنسية خطيرة بحق طالبة متزوجة كانت تدرس في "مدرسة للتوراة" يرأسها هذا الحاخام، تحت ذريعة ما وصفه بـ"الوحي الروحي"، في واقعة تكشف استغلالًا مزدوجًا للمنصب الديني والثقة الأسرية، وتثير أسئلة واسعة حول آليات المساءلة داخل المؤسسات الدينية، خاصة في ظل استمرار حظر نشر اسمه قضائيًا، رغم مرور سنوات طويلة على الوقائع المفترضة وبقاء القضية في إطار التحقيقات المفتوحة حتى الآن.
استغلال منصب ديني وثقة أسرة متزوجة
بحسب ما نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فقد استجوبت الشرطة الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة حاخامًا من المنطقة الشمالية على خلفية شبهات بارتكاب جرائم جنسية ضد امرأة كانت طالبة في "مدرسة التوراة" التي كان يرأسها، حيث تفيد المعطيات الأولية بأن الحاخام استغل موقعه القيادي في المؤسسة التعليمية، وما يرتبط به من نفوذ ديني واجتماعي، لنسج علاقة خاصة مع طالبة متزوجة، مستندًا إلى مكانته الروحية داخل المجتمع المحلي، وما تولد من ثقة بينها وبينه، وأيضًا بينه وبين أسرتها التي افترضت أن علاقتها به تقوم على الإرشاد الديني لا على أي أبعاد شخصية أو جنسية.
وتشير الاتهامات إلى أن الحاخام لم يكتف بإقامة علاقة حميمية متواصلة مع الطالبة، بل سعى لإقناعها بإنجاب طفل منه، مستغلًا ما سمته الصحيفة ادعاءاته بـ"الوحي الروحي"، أي تقديم رغبته الشخصية في صورة توجيه أو إلهام ديني مزعوم، بما يخلط بين القداسة والسلطة من جهة والرغبات الخاصة من جهة أخرى، في إطار علاقة غير متكافئة بين رجل دين يتمتع بنفوذ واسع وطالبة تخضع لنفوذه التعليمي والروحي، وتثق في خطاباته ومكانته، خصوصًا أن العلاقة امتدت لسنوات طويلة بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة.
وتوضح التسريبات أن اللقاءات بين الطرفين لم تكن عرضية أو محدودة، بل اتسمت بالاستمرارية منذ عام 2013 تقريبًا، حيث التقى الحاخام بالطالبة في منزله وفي أماكن أخرى غير محددة، في لقاءات وصفت بأنها تضمنت علاقات حميمة متكررة، ما يعزز، وفق رواية المشتكية، فرضية أن ما جرى لم يكن "انحرافًا عابرًا" أو "سوء تقدير لحظي"، بل نمطًا مستقرًا من استغلال السلطة الدينية والثقة الشخصية، تحت غطاء خطاب روحي، بهدف الاستفادة الجنسية من الضحية لفترة زمنية ممتدة.
أوامر قضائية بحظر النشر ومسار تحقيق متعثر
اللافت في مسار القضية أن الشكوى ضد الحاخام لم تُقدَّم حديثًا، بل أودِعَت لدى الشرطة منذ نحو عامين، في عام 2024، ما يعني أن الأجهزة المختصة كانت على علم بالاتهامات منذ مدة ليست قصيرة، إلا أن التحقيقات لم تصل حتى الآن إلى قرار اتهام نهائي أو إغلاق للملف، بل بقيت في دائرة الاستكمال والتوسع، وهو ما يثير تساؤلات حول بطء الإجراءات في قضية تمس ثقة الجمهور في مؤسسة دينية وتعليمية حساسة، خاصة أن الضحية ادعت تعرضها لاستغلال جنسي ممنهج لسنوات، لا لمرة واحدة فقط.
ومنذ تقديم الشكوى، تم فرض أمر قضائي بحظر نشر اسم الحاخام المتهم، وهو إجراء قد يُبرَّر قانونيًا في بعض الحالات بهدف حماية مجرى التحقيق أو منع التأثير على الشهود، لكنه في الوقت نفسه يحجب عن الرأي العام هوية شخصية تحوم حولها شبهات تتعلق باستغلال موقع ديني وتعليمي لارتكاب أعمال جنسية مخالفة للقانون، ويمنع المجتمع المحلي من مناقشة القضية بشكل كامل، أو اتخاذ مواقف واضحة بشأن استمرار هذا الشخص في أي أدوار روحية أو تعليمية ما دام التحقيق لم يحسم بعد.
وبحسب ما نقلته "يديعوت أحرونوت"، فإنه بعد التحقيق الأولي في الشكوى أصدرت النيابة العامة تعليماتها للشرطة باتخاذ إجراءات إضافية لاستكمال التحقيق، ما يعكس تقديرًا أوليًا بأن المعطيات تستدعي مزيدًا من التدقيق، ومع ذلك، عندما أُحيل الملف إلى النيابة مجددًا بعد استكمال بعض الخطوات، عادت النيابة مرة أخرى لتطلب استكمالًا جديدًا للتحقيق، في مشهد يبدو أقرب إلى حلقة متكررة من الإحالة المتبادلة بين الشرطة والنيابة، بدل الوصول إلى قرار واضح بشأن كفاية الأدلة أو قصورها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، وبحسب المعلومات المتاحة، شرع المحققون في تنفيذ ما طُلِب منهم من إجراءات إضافية لاستكمال التحقيق، حيث تم استدعاء الحاخام المشتبه به والمشتكية كلٌ على حدة إلى جلسات استماع أمام الشرطة، لتقديم رواية كل طرف حول الوقائع، في خطوة تمهيدية قبل أن تُقيِّم النيابة العامة مجددًا ملف الأدلة، وتحدد ما إذا كانت الشبهات تكفي لتقديم لائحة اتهام رسمية، أم أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقيقات أو قد تُغلَق لعدم كفاية الأدلة، في ظل استمرار حظر النشر وبقاء القضية في منطقة رمادية بين الشكوى المفصلة والحسم القضائي النهائي.
شبهات صادمة واستغلال للوهم الروحي وإخفاء اسم المتهم
محامي المدعية، آدي بوكر، صاغ موقف موكلته بلغة قانونية حادة، عندما صرح لوسائل الإعلام بأن ما يواجهه الحاخام ليست مجرد اتهامات أخلاقية عابرة، بل "شبهات بارتكاب جرائم جنسية خطيرة باستغلال السلطة والخداع على مدى فترة طويلة"، مؤكدًا أن الأدلة التي أحيلت إلى وحدة التحقيق "كثيرة ومفصلة"، بما يجعل القضية، بحسب وصفه، "صادمة ومروعة"، وهي عبارات تعكس قناعة الدفاع عن الضحية بأن الوقائع ليست محل لبس كبير، وأن المشكلة تكمن في بطء تحويل هذه الشبهات إلى إجراءات قضائية مكتملة، لا في نقص المواد التي يمكن البناء عليها قانونيًا.
وتستند رواية المدعية إلى تصور قانوني وأخلاقي يعتبر أن استغلال السلطة الدينية والتعليمية يُفرغ أي "موافقة ظاهرية" من محتواها الحقيقي، لأن العلاقة غير متكافئة منذ البداية، حيث يمنح المجتمع للحاخام مكانة خاصة، وينظر إليه كمرشد روحي وأخلاقي، ما يجعل أي توظيف لهذه المكانة لإقامة علاقات جنسية، خاصة تحت عنوان "الوحي الروحي"، أقرب إلى خداع منظم وإساءة استخدام للنفوذ، وليس مجرد "علاقة بين بالغين برضا متبادل"، كما قد يحاول بعض المدافعين تصويرها في مثل هذه الوقائع.
القضية، بصيغتها الحالية، تطرح أيضًا سؤالًا حول كيفية تعامل المنظومة القانونية والإعلامية مع قضايا التحرش والاعتداء الجنسي داخل المؤسسات الدينية والتعليمية، فحظر نشر اسم الحاخام يحمي – من الناحية الشكلية – قرينة البراءة حتى انتهاء التحقيق، لكنه في الوقت نفسه يحرم ضحايا محتملين آخرين من التعرف على المتهم وتقديم شهاداتهم إن وُجدت وقائع مشابهة، كما يحد من قدرة المجتمع على مراقبة سلوك القيادات الدينية ومساءلتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلوك مدّعى أنه استمر لأكثر من عقد دون انكشاف كامل.
وفي ظل استمرار التحقيق دون حسم، تبقى رواية المدعية، كما ينقلها محاميها وتقارير الصحافة العبرية، جزءًا من معركة قانونية وأخلاقية وسياسية أوسع حول العلاقة بين القداسة والسلطة، ومخاطر استخدام الخطاب الديني كغطاء لسلوك جنسي منحرف، في حين ينتظر الرأي العام ما ستسفر عنه خطوات النيابة العامة في المراحل المقبلة، وما إذا كانت الأدلة "الكثيرة والمفصلة" التي تحدث عنها آدي بوكر ستتحول إلى لائحة اتهام كاملة، أم ستظل حبيسة ملفات التحقيق، تحت عنوان "قضية مفتوحة" واسم محظور النشر.

