تقدّم د. نور الجنة رؤيةً تعتبر رمضان أكثر من الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، وتراه “إعادة ضبط” شاملة: تهدئة للإيقاع اليومي، وتنظيف للقلب، وبناء لعادات تعيش بعد انقضاء الشهر. وتعرض إسلام سيتي رمضان كمساحة عملية لإعادة ترتيب الأولويات عبر الصلاة والقرآن والأذكار والصدقة ولحظات الصدق مع النفس، لأن التحول الحقيقي لا يحتاج كمالًا بقدر ما يحتاج استمرارًا.


وتشير إسلام سيتي إلى دلالة الآية: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ...} لتؤكد أن الشهر يفتح باب الهداية والمعيار الذي يفرّق بين الحق والباطل، ويمنح الإنسان فرصة أن يستعيد اتجاهه حين تتزاحم عليه التفاصيل.


الصيام طريقٌ إلى التقوى والعودة إلى الله


تضع الكاتبة جوهر الصيام في التقوى، وتستند إلى قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالصيام يدرّب النفس على كبح الشهوات وحراسة السلوك، ويوقظ مراقبة الله في الداخل قبل أن يطالبك أحد من الخارج. وتنقل تفسير ابن كثير لفكرة التقوى بوصفها تدريبًا عمليًا على ضبط الرغبة وتجنّب المعصية، لا فكرةً نظرية معلّقة في الهواء.


وتستحضر الكاتبة تشبيهًا تربويًا عن التقوى: السير في طريق مليء بالشوك. يرفع الإنسان ثوبه ويتحاشى الأشواك بحذر؛ هكذا يعيش المتقي، يلتقط نفسه قبل الزلل، ويحسب أثر كل خطوة. وتوضح أن التقوى ليست خوفًا من العقاب فقط، بل شوقٌ إلى رضوان الله واستعدادٌ ليوم الرحيل، فتنعكس على الكلام والقرار وردّ الفعل. 


الصيام تدريبٌ على ضبط النفس والغضب


تربط الكاتبة بين الإيمان وإدارة الانفعال، وترى الصيام “درعًا” يعلّم الإنسان أن لا يطلق لسانه ولا يرفع صوته بالغضب، وأن يردّ على الاستفزاز بجملة بسيطة تقطع دائرة التصعيد: “إني صائم”. وتضيف أن الإسلام لا يطلب منك قبول الظلم أو الصمت عن الخطأ، لكنه يطلب منك ردًا منضبطًا يستحضر الله قبل أن يستحضر الأنا.


وتقدّم أدوات نبوية عملية لتهدئة الغضب: الاستعاذة بالله من الشيطان، وتغيير الهيئة من الوقوف إلى الجلوس ثم الاضطجاع إن لزم، لأن النفس حين تهدأ تستطيع أن تختار ردًا حكيمًا بدل ردٍّ اندفاعي. ومن هنا يخرج الصيام من كونه امتناعًا إلى كونه “منهج تربية” يدرّبك على التفكير قبل الرد، وعلى اتخاذ القرار في اللحظة التي عادةً ما نخسر فيها أنفسنا.


سكينة القلب بين القرآن والذكر والعطاء


تربط الكاتبة السلام الداخلي بالفطرة، وتنتقد بحث البعض عن السكينة عبر مصادر تراها بعيدة عن هدي الإسلام، لأن الأثر قد يكون مؤقتًا ولا يغذّي الروح غذاءً صحيحًا. وتدعو إلى الرجوع للسنة: تلاوة القرآن بتدبّر، والالتزام بالأذكار الصحيحة خاصة أذكار الصباح والمساء، والاستفادة من مراجع معروفة مثل “حصن المسلم” و”الأذكار” للنووي. وترى أن الأعذار مثل “لست متخصصًا” لا تستقيم حين تتوفر المصادر الموثوقة في متناول اليد.


وفي جانب الرفاه النفسي، تؤكد الكاتبة أن رمضان يبني الصبر والمرونة النفسية، لأن الجوع وضبط الشهوة يدرّبان القدرة على التحمل. وتستشهد بآيات الابتلاء والبشارة للصابرين، وبحديث “عجبًا لأمر المؤمن” الذي يجعل الشكر في السراء خيرًا والصبر في الضراء خيرًا. وتلمّح إلى أبحاث حديثة ترى أن الصيام قد يخفف التوتر والقلق ويحسن جوانب من الصحة النفسية، خصوصًا حين يقترن بالمعنى والعبادة وروح الجماعة.


وتنتقل إلى البعد المجتمعي: يحفّز رمضان الإنفاق والإحسان وإطعام المحتاج، ويقوّي الروابط حين يجتمع الناس على الطعام بلا إسراف، مستشهدة بآيات تحذّر من التبذير وتربط الإسراف بسلوك مدمّر للنعمة. وتختم بروح عملية: لا يمرّ رمضان كي “نؤدي” الصيام فقط، بل كي نُحسن النية، ونوسّع العبادة، ونبحث عن ليلة القدر في العشر الأواخر، ونحمل أثر الشهر معنا بعد آخر يوم.


بهذا المعنى، يقدّم النص رمضان كرحلة تُعيد الإنسان إلى مركزه: قلبٌ أصفى، وعقلٌ أهدأ، وعادةٌ أحسن، وخطوةٌ أقرب إلى الله—كل يوم، ولو بقدر صغير ثابت.

 

https://www.islamicity.org/104266/becoming-the-best-version-of-ourselves-in-ramadan-a-journey-of-self-improvement/