يستعد البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية لإتاحة تمويلات بقيمة 135 مليون دولار لدعم الشركات الناشئة في مصر، ضمن المرحلة الثانية من برنامج دعم رأس المال الجريء التابع لجهاز تنمية المشروعات. خطوة تبدو على الورق دعماً لريادة الأعمال والابتكار، لكنها تأتي في سياق أوسع من توسع مستمر في الاقتراض الخارجي خلال عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، تحت عناوين تنموية مختلفة، بينما يبقى السؤال عن من يتحمل الفاتورة في النهاية.

 

تمويل جديد برعاية البنك الدولي.. قروض لا تنقطع

 

بحسب مسؤول حكومي، سيوفر البنك الدولي 120 مليون دولار، مقابل 15 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية، ليصل إجمالي التمويل إلى 135 مليون دولار لصالح برنامج رأس المال الجريء. هذه المرحلة الثانية تُكمِل تمويلاً سابقاً حصل عليه الجهاز في 2021 بقيمة 50 مليون دولار من البنك الدولي، بما يعكس اعتماداً متكرراً على المؤسسات الدولية لتمويل نفس المسار بدلاً من بناء قاعدة تمويل محلية مستقرة. التمويل يُقدَّم على أنه «دعم لريادة الأعمال»، لكنه فى حقيقته جزء من شبكة أوسع من القروض والبرامج المشروطة، تضاف إلى التزامات الدولة التى توسعت فيها السلطة الحالية بشكل غير مسبوق منذ 2014، مع تحميل الاقتصاد أعباء خدمة دين متزايدة، بينما لا تزال بيئة الأعمال تعانى من مشكلات تشريعية وبيروقراطية وهيمنة كيانات كبيرة على السوق.

 

رأس مال جريء بأموال دائنين لا مستثمرين

 

المسؤول أوضح أن هذه التمويلات ستُستخدم كـ«صندوق صناديق» للاستثمار في صناديق رأس المال الجريء، مع استهداف جذب استثمارات مصاحبة بقيمة بين 400 و500 مليون دولار من مؤسسات أخرى. الفكرة النظرية تقوم على أن تمويل المؤسسات الدولية يخلق «أثر جذب» لمستثمرين إضافيين، لكن الواقع يشير إلى أن رأس المال الجريء فى مصر يعتمد بدرجة كبيرة على المنح والقروض والتمويلات المدعومة، أكثر من اعتماده على شهية استثمار حقيقية فى بيئة مستقرة. حين يكون «المستثمر الأكبر» في المنظومة هو البنك الدولي أو بنوك تنمية متعددة الأطراف، فهذا يعنى عملياً أن الدولة تستبدل الاستثمار طويل الأجل بديون موجهة عبر قنوات جديدة، وتضع قطاع الشركات الناشئة فى مسار يتوقف استمراره على استمرار تدفق التمويل الخارجى، لا على قوة السوق المحلية وقدرة الشركات نفسها على جذب رؤوس أموال خاصة تبحث عن فرص حقيقية.

 

فى المرحلة الأولى، شارك برنامج رأس المال الجريء في رؤوس أموال صناديق تستثمر فى الشركات الناشئة، تحت شعار «تعزيز منظومة ريادة الأعمال». لكن التوسع فى نفس الآلية عبر تمويل جديد من الدائنين الدوليين، دون نقاش معلن حول تقييم نتائج المرحلة الأولى ومعدلات الفشل والنجاح، يعكس نمطاً متكرراً فى إدارة الاقتصاد؛ نمط يعتمد على ضخ أموال جديدة قبل حسم سؤال: من يدفع الثمن إذا لم تتحقق العوائد المتوقعة؟ فى هذه الحالة، لا تتحمل البنوك الدولية الخسائر وحدها، بل يتحمل المجتمع كلفة ديون جديدة، سواء فى صورة التزامات على الموازنة أو شروط إصلاح وسياسات تُفرض مقابل هذه التمويلات.

 

أرقام لامعة للصفقات.. وبيئة اقتصادية مضغوطة

 

وفق تقارير متخصصة، جمعت الشركات الناشئة المصرية تمويلات بقيمة 614 مليون دولار، تمثل نحو 20% من إجمالي تمويلات الشركات الناشئة في أفريقيا، بينما وضع تقرير «ماغنيت» مصر فى المرتبة الثالثة إقليمياً بتمويلات 304 ملايين دولار فى 2025، رغم تراجع نسبته 11%. هذه الأرقام تستخدم عادة فى الخطاب الرسمى لتأكيد أن «مصر مركز إقليمى لريادة الأعمال»، لكن القراءة الأعمق تظهر أن جزءاً معتبراً من هذه التدفقات مصدره صناديق وبرامج مدعومة أو ممولة من مؤسسات دولية أو حكومات، لا من سوق استثمار خاص حر وواثق فى استقرار السياسات. فى ظل تضخم مرتفع واضطرابات متكررة فى سعر الصرف وتوسع كبير فى دور الدولة والأجهزة السيادية فى الاقتصاد، يجد كثير من المستثمرين المحليين والأجانب أن المخاطرة فى رأسمال جريء حقيقي أكبر بكثير من المخاطرة فى أدوات دين تضمنها الحكومة أو مشروعات ترتبط مباشرة بجهات رسمية.

 

فى هذا السياق، يصبح الإعلان عن 135 مليون دولار جديدة من البنك الدولي والبنك الأفريقى جزءاً من صورة أوسع يظهر فيها النظام الحالى، الذى تصفه معارضة واسعة بأنه «نظام انقلاب 3 يوليو»، وهو يواصل الاقتراض تحت شعارات متغيرة؛ مرة باسم البنية التحتية، ومرة باسم الحماية الاجتماعية، ومرة باسم دعم الشركات الناشئة. جوهر المسار واحد: اعتماد متزايد على أموال الدائنين لتمويل نموذج اقتصادى لم يُثبت حتى الآن قدرته على خلق نمو مستدام وفرص عمل كافية وتحسن ملموس فى مستوى المعيشة.

 

فى النهاية، قد تحصل بعض الشركات الناشئة على تمويلات ودفعات نمو من هذه البرامج، وقد ينجح عدد محدود منها فى بناء قصص نجاح حقيقية. لكن السؤال الأكبر يبقى بلا إجابة من حكومة السيسى: هل يمكن بناء قطاع ريادة أعمال قوى على أرضية من الديون والبرامج الدولية، بينما يواجه الاقتصاد ككل أزمة دين وضغط معيشى متصاعد وتآكل مستمر فى الثقة بين المجتمع ومؤسساته؟ التقرير الرسمى يجيب بالأرقام، أما الشارع فيجيب بتجربة الحياة اليومية تحت عبء الغلاء والبطالة وعدم اليقين.