تشهد مصر في رمضان 2026 انكماشًا غير مسبوق في مظاهر التكافل الشعبي، بعد سنوات من التضخم وانهيار القوة الشرائية وسياسات حكومية وُصفت بأنها معادية للمجتمع الأهلي، ما انعكس مباشرة على موائد الرحمن وشنط رمضان والكفالات الشهرية للأسر الفقيرة، تاركًا ملايين المصريين في شهر الصيام أمام مشهد فقر أكثر قسوة وغيابًا فعليًا لدور الدولة الاجتماعية تحت حكومة الانقلاب.

 

موائد الرحمن تتلاشى بين الغلاء والاشتراطات الأمنية والإدارية

 

المشاهد الميدانية في أحياء القاهرة والمحافظات تكشف تراجعًا حادًا في عدد موائد الرحمن التي كانت تملأ الشوارع والميادين، بعد أن تحوّلت كثير منها إلى توزيع وجبات جاهزة محدودة الكمية، بلا لحوم أو دواجن، بسبب القفزات الكبيرة في أسعار البروتين والسلع الأساسية التي تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، وفق بيانات الغرف التجارية وتقارير اقتصادية ترصد ارتفاع أسعار السلع الجافة والزيوت والألبان بين 3 و6 أضعاف منذ 2016.

 

إلى جانب الغلاء، يواجه منظمو العمل الخيري منظومة تراخيص وضوابط متشعبة تفرضها وزارة التنمية المحلية والمحافظات، تبدأ بطلبات للأحياء، واشتراطات تتعلق بالموقع، والتراخيص الأمنية، والحفاظ على المرور والنظافة، ورسوم مختلفة، وهو ما يراه كثيرون عبئًا إضافيًا على المتبرعين والأهالي الراغبين في إقامة موائد رمضان في الأحياء الشعبية.

 

تقديرات رسمية سابقة تشير إلى أن تكلفة موائد الرحمن قفزت من نحو 6 مليارات جنيه إلى قرابة 12 مليار جنيه خلال عام واحد فقط، مع توقعات بزيادة أعداد المحتاجين إلى هذه الموائد في ظل تدهور دخول أصحاب الأجور المحدودة، ما يجعل أي اشتراطات إضافية أو تأخير في التراخيص عامل ضغط يحد من انتشار هذه الموائد بدلاً من دعمها.

 

من داخل الميدان، يوضح محمود حبيب، مسؤول في مؤسسة مصر الكريمة للتنمية بالجيزة، أن “كرتونة رمضان باتت فوق طاقة الجمعيات”، مشيرًا إلى أن كيلو الأرز وصل لديهم إلى 35 جنيهًا وعبوة الزيت إلى 100 جنيه تقريبًا، وأن التبرعات المتاحة لم تعد تكفي سوى نحو 75 أسرة من أصل 600 أسرة مسجلة، بعدما كانت تُغطَّى بالكامل في مواسم سابقة.

 

انكماش محتويات شنطة رمضان وتراجع الكفالات والعزومات العائلية

 

تراجعت “شنطة رمضان” من رمز لوفرة نسبية إلى عبوة صغيرة، بأوزان أقل وسلع أقل جودة، بعد أن تضاعفت أسعار “الكرتونة” في السوق خلال عام واحد، مع خفض كميات الأرز والزيت والسلع الجافة، وفق جولات ميدانية وتقارير رصدت هبوط أوزان محتويات الكرتونة وارتفاع سعرها إلى مستويات لا تناسب الفقراء ولا المتبرعين على حد سواء.

 

بعض الجمعيات الخيرية أوقفت الشنط تمامًا واستبدلتها بكوبونات شراء منخفضة القيمة، لا تغطي الاحتياجات الفعلية للأسر، بينما تقلصت قدرة الطبقة المتوسطة – العمود الفقري للتبرعات في مصر – على الإنفاق الخيري، فالمتبرع الذي كان يكفل أسرة طوال العام أو يموّل عشرات الشنط بات يكتفي بمبالغ رمزية أو عدد محدود من الكراتين بسبب انهيار دخله أمام موجات الغلاء المتلاحقة.

 

هذا التراجع ضرب أيضًا نمط العزومات العائلية، إذ تقلصت الموائد الكبيرة وتبادُل الأطباق بين الجيران، في ظل محاولات كل أسرة الاكتفاء بوجبة إفطار أساسية خالية من مظاهر الترف السابقة، مع تقليص استهلاك ياميش رمضان والمكسرات التي قفزت أسعارها بنسب وصلت في بعض الأصناف إلى ما بين 100% و200%، ما دفع الأسر للبحث عن بدائل شعبية أرخص وبكميات أقل بكثير من الأعوام الماضية.

 

انعكس ذلك على “اقتصاد العيد” نفسه؛ كثير من العائلات باتت غير قادرة على شراء ملابس جديدة لأطفالها، واتجه قطاع واسع من المصريين إلى أسواق الملابس المستعملة “البالة”، متأثرين بتضخم أسعار المنسوجات والملابس الجاهزة، في مشهد يُظهر انتقال شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة إلى حافة الفقر، تحت وطأة سياسات اقتصادية رفعت الأسعار وأضعفت الأجور في الوقت نفسه.

 

100 مليار جنيه إنفاق رمضاني.. غذاء أقل ومسؤولية حكومية غائبة

 

اقتصاديًا، تكشف تقديرات حديثة أن إنفاق المصريين في شهر رمضان يقترب من 100 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 15% من ميزانية الاستهلاك السنوية للأسر، مع استحواذ الطعام والشراب وحدهما على نحو 60 مليار جنيه، رغم تراجع الكميات الفعلية المستهلكة بسبب غلاء الأسعار وتآكل قيمة الجنيه بعد موجات التعويم المتتالية.

 

إبراهيم عشماوي، مساعد أول وزير التموين ورئيس جهاز تنمية التجارة الداخلية، سبق أن أقر بأن الإنفاق في رمضان يصل إلى هذا الرقم الضخم، مقارنة بمتوسط إنفاق شهري يقترب من 55 مليار جنيه في باقي شهور العام، وهو ما يعني أن المصريين يدفعون فاتورة موسمية هائلة مقابل سلة غذاء أقل حجمًا وأقل جودة من السابق.

 

هذا التناقض بين الإنفاق الكبير وانخفاض الاستهلاك الفعلي يعكس أزمة أعمق في هيكل الاقتصاد وسياسات حكومة الانقلاب، كما يراها خبراء، إذ تسير أسعار السلع في مصر عكس الاتجاه العالمي؛ فبينما تظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة “فاو” تراجعًا في أسعار الغذاء عالميًا منذ نهاية 2025، توثق تقارير تجارية مصرية تضاعف أسعار الدقيق والأرز والزيوت والسلع الجافة بأضعاف، بفعل تعويم الجنيه واعتماد البلاد على استيراد نحو 70% من احتياجاتها الغذائية.

 

متّى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين، يؤكد أن ملف الحماية الاجتماعية لم يعد ترفًا بل “ركيزة موازية” لأي إصلاح اقتصادي، محذرًا من أن تجاهله يترك آثارًا سلبية على الاستقرار المجتمعي والسوق، رغم توسع الحكومة في برامج الدعم النقدي المؤقتة حتى يونيو 2026، وهو اعتراف ضمني بأن موجات الغلاء لم تُكسر بعد.

 

على مستوى بنية العمل الخيري، تُذكّر أستاذة العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، هويدا علي، بأن الاعتماد على المجتمع الأهلي لسد فجوات الفقر لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، وتُحذّر من استمرار السياسات “المنتجة للفقر”، في بلد تشير بعض الدراسات إلى أن ما يقرب من 60% من سكانه بين فقراء ومهددين بالفقر، رغم تضاعف عدد الجمعيات الأهلية والتبرعات المسجلة التي بلغت نحو 6.7 مليارات جنيه في عام واحد.

 

في المحصلة، يظهر رمضان 2026 كاختبار فشل جديد لحكومة الانقلاب في حماية أضعف فئات المجتمع؛ فموائد الرحمن تنكمش، وشنط رمضان تفرغ من محتواها، والكفالات الشهرية تنهار، بينما يدفع المواطنون مئات الملايين يوميًا في سوق غذاء محتكر وغارق في التضخم، دون رؤية حكومية جادة تعيد توزيع الأعباء أو تحمي الفقراء من سياسات أنتجت الأزمة ثم اكتفت بترقيعها بمبادرات موسمية محدودة لا تغيّر من واقع الفقر المتسع شيئًا.