تعيش عواصم الخليج على وقع تطورات عسكرية متسارعة، مع سماع دوي انفجارات في أبوظبي والكويت وتفعيل صفارات الإنذار في أكثر من دولة، بالتوازي مع هجمات صاروخية متبادلة بين إيران وإسرائيل. تأتي هذه التطورات بينما تصمت الحكومات العربية أو تكتفي ببيانات مقتضبة، تاركة ملايين المواطنين رهائن لقرارات عسكرية لا يشاركون فيها ولا يعرفون حدود مخاطرها المباشرة على أمنهم اليومي أو مستقبل بلدانهم.

 

الخليج على صفيح ساخن

 

أفادت وكالات أنباء دولية بسماع دوي انفجار هائل في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بالتزامن مع سماع انفجارات في الكويت وتفعيل صفارات الإنذار في أكثر من منطقة هناك، في مؤشرات على تعامل السلطات مع تهديدات صاروخية محتملة مرتبطة بالتصعيد الإيراني الإسرائيلي الأخير. وفي البحرين، استهدف هجوم صاروخي مركز خدمات الأسطول الخامس الأمريكي في منطقة الجفير، مع تصاعد أعمدة الدخان من محيط القاعدة البحرية، ما يؤكد انتقال المعركة من مستوى الرسائل الإعلامية إلى ضرب مباشر للبنية العسكرية الأمريكية في الخليج.

 

امتد التوتر إلى قطر، حيث دوت صفارات الإنذار قرب قاعدة العديد، في إطار إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديد محتمل، بينما تحدثت تقارير إيرانية عن استهداف 4 قواعد أمريكية رئيسية في قطر والكويت والبحرين والإمارات بهجمات صاروخية متزامنة. هذا المشهد يعكس أن القواعد الأجنبية تحولت إلى نقاط جذب للنيران في قلب المدن الخليجية، بينما يتحمل المواطن العادي كلفة الخوف، والانقطاع المحتمل للخدمات، والقلق من تطور الضربات إلى منشآت مدنية أو بنية تحتية حيوية قد تضع الاقتصاد برمته في مهب العاصفة.

 

يرى العميد عادل المشموشي، الخبير العسكري، أن المواجهة مع إيران دخلت "مرحلة مفتوحة" منذ سنوات، وأن أي هجوم واسع على الأراضي الإيرانية يقابله رد إيراني مرشح للتوسع إقليميا، وليس محصورا في مسرح واحد. هذا التقدير يعني أن الضربات التي طالت مركز خدمات الأسطول الخامس في البحرين، والانفجارات التي شهدتها أبوظبي والكويت، ليست حوادث منفصلة، بل جزء من معادلة ردع متبادلة تستخدم أراضي دول الخليج كساحة اختبار، بينما تبقى حكومات تلك الدول حبيسة تحالفات أمنية أوسع تقودها واشنطن وتل أبيب.

 

رشقة صواريخ على إسرائيل وطوارئ شاملة

 

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق رشقة من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه عدة أهداف داخل إسرائيل، ردا على ما وصفه بـ"العدوان الأمريكي الإسرائيلي" على الأراضي الإيرانية. أكد الجيش الإسرائيلي رصد إطلاق الصواريخ من الأراضي الإيرانية، وأعلن أن أنظمة الدفاع الجوي تعمل على اعتراض "التهديدات"، بينما أفادت الجبهة الداخلية بتفعيل صفارات الإنذار في مناطق متفرقة، وإرسال رسائل تحذيرية مباشرة إلى هواتف المواطنين متضمنة تعليمات باللجوء إلى المناطق المحمية.

 

سبق هذا الرد الإيراني إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس شن "هجوم صاروخي استباقي" ضد أهداف في إيران، بزعم إزالة التهديدات قبل تحولها إلى ضربات واسعة تستهدف العمق الإسرائيلي. استند كاتس إلى صلاحياته بموجب قانون الدفاع المدني لفرض حالة طوارئ خاصة في جميع أنحاء إسرائيل، شملت إغلاق المدارس، وحظر التجمعات العامة، وإغلاق المجال الجوي أمام الطيران المدني، ما أدى إلى شلل في مطار بن غوريون وإلغاء عشرات الرحلات الدولية.

 

في طهران، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن سماع دوي انفجار في أحد الميادين وسط العاصمة، تلاه سماع ثلاثة انفجارات في مناطق متفرقة، مع تقارير عن سقوط صواريخ قرب شارع الجامعة ومنطقة الجمهورية، بالتزامن مع الضربة الإسرائيلية. هذا التزامن بين ضربات تستهدف العاصمة الإيرانية ورشقات صاروخية تنطلق نحو إسرائيل، يعني أن المنطقة انتقلت فعليا من "حرب الظل" إلى مواجهة عسكرية معلنة، حتى إن حاولت العواصم الغربية والإقليمية التخفيف من وصف ما يجري بأنه "محدود" أو "قابل للاحتواء" خشية الانهيار الكامل في أسواق الطاقة وطرق الملاحة.

 

حرب القواعد وثمن التحالفات

 

يتجاوز ما يجري كونه جولة صواريخ متبادلة بين طهران وتل أبيب، ليكشف هشاشة المنظومة الأمنية الخليجية المبنية على استضافة قواعد أمريكية كضمانة للأمن القومي، بينما تتحول تلك القواعد إلى أهداف أولى في أي رد إيراني على الهجمات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية. تقدّر دراسات عسكرية أن إيران طورت استراتيجية "الإشباع الدفاعي"، القائمة على إطلاق مئات الصواريخ في وقت واحد لكسر فاعلية أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وهي الاستراتيجية نفسها التي تجعل القواعد الأمريكية في الخليج عرضة لهجمات مكثفة يصعب اعتراضها جميعا في وقت قصير.

 

يشرح د. حسام البقيعي، مدير وحدة الدراسات بمركز رع للدراسات الاستراتيجية، أن الصواريخ الباليستية هي السلاح الوحيد القادر على إحداث ضرر حقيقي داخل إسرائيل، وأن إيران تمتلك منظومات يصل مداها لأكثر من 2,000 كيلومتر، ما يعني أن تل أبيب والقواعد الأمريكية في الخليج تقع داخل دائرة الاستهداف في أي مواجهة مفتوحة. هذا المدى الواسع، المقترن بطائرات مسيرة بعيدة المدى، يجعل من الصعب عزل أي ساحة عن الأخرى، ويحوّل الخليج إلى امتداد مباشر لمسرح العمليات بين إيران وإسرائيل، لا مجرد متفرج أو منطقة عازلة كما تحب حكوماته أن تصوّر الأمر لرأيها العام المحلي.

 

من زاوية أخرى، ينتقد الدبلوماسي الأمريكي السابق د. نبيل خوري، في مداخلات إعلامية متكررة، بنية الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط القائمة على قبول الأنظمة العربية بهيمنة إسرائيل ورفض أي مسار مقاوم، مقابل ضمانات أمنية واقتصادية مشروطة تخدم مصالح واشنطن وحلفائها أولا. في ضوء هذا الإطار، يبدو أن دول الخليج تجد نفسها اليوم تدفع ثمن هذا التموضع، إذ تتحول أراضيها إلى منصات انطلاق للهجمات على إيران، وفي الوقت نفسه إلى أهداف مفضلة لردود الفعل الإيرانية، بينما يغيب أي نقاش جدي حول بدائل أمنية إقليمية أقل كلفة على المجتمعات المحلية وأكثر انسجاما مع المزاج الشعبي الرافض للتحالف العلني مع إسرائيل.

 

تُظهر التطورات المتلاحقة أن أمن المنطقة لم يعد يُدار داخل حدود الدول فحسب، بل على خرائط ممرات الطاقة والقواعد العسكرية والتحالفات العابرة للحدود، حيث تتحكم قرارات في واشنطن وتل أبيب وطهران في مصير الملايين من أبوظبي إلى الكويت والبحرين. وفي ظل استمرار صمت القاهرة وعواصم عربية أخرى، يظل السؤال المطروح أمام الرأي العام: إلى أي مدى يمكن السماح بتحويل الخليج إلى حزام نيران يخدم حسابات الآخرين، بينما تُقصى الشعوب عن أي دور في رسم سياسات الحرب والسلام التي تحدد حاضرها ومستقبلها القريب؟