يفتح تداول قضية الطائرة الخاصة التي احتجزتها سلطات زامبيا في أغسطس 2023 بابًا قديمًا على أسئلة جديدة، بعد أن أعاد مسلسل أمني مصري بعنوان “رأس الأفعى” طرح رواية عن تهريب الدولار ونسبها إلى د. محمود عزت. التوقيت وحده كافٍ لإشعال الشكوك، لأن القضية الأصلية ارتبطت بطائرة أقلعت من القاهرة في وضح النهار، ثم ضُبطت في لوساكا بمحتويات مثيرة للجدل، دون بيان مصري رسمي حاسم حتى الآن.

 

الملف عاد للواجهة بعدما تداول نشطاء إفصاحًا زامبيًا في يوليو عن معلومات جديدة تخص الواقعة، وبالتوازي مع وثائق قضائية ذكرت أن رجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني قدّم إفادة رسمية للمحكمة العليا في زامبيا تؤكد ملكيته للطائرة. بين روايات السوشيال ميديا ووثائق المحاكم، يبقى السؤال السياسي حاضرًا: من المسؤول عن رحلة خرجت من مطار القاهرة بكل إجراءات التفتيش ثم تحولت إلى فضيحة دولية؟

 

ضبط في لوساكا.. أرقام ضخمة وروايات بلا بيان رسمي مصري

 

بحسب ما يُتداول على منصات التواصل عن محضر الضبط في مطار كينيث كاوندا في لوساكا، تم العثور على $9 مليون نقدًا، و147 كجم ذهب، و7 تماثيل ذهبية أثرية، و5 مسدسات و126 طلقة، و4.5 كجم هيروين، مع وجود 10 مصريين على متن الطائرة.

 

هذه الروايات لم تُؤكد ببيان رسمي مصري، بينما تتحدث تقارير دولية عن ضبط $5.7 مليون وقطع معدنية “بدت كأنها ذهب” قبل أن يثبت لاحقًا أنها خليط من النحاس والزنك.

 

تعليقات متداولة ربطت أسماء بعينها بالواقعة، بينها عصام العرجاني ومحمود السيسي، لكنها تظل ادعاءات غير موثقة قضائيًا في النصوص المنشورة علنًا. المؤكد فقط، وفق ما ورد في تغطيات عن التحقيقات الزامبية، أن السلطات اعتقلت مصريين ثم أُفرج عنهم لاحقًا بعد إسقاط اتهامات، وفق روايات تنسب ذلك لتفاهمات بين الجانبين، دون تفاصيل رسمية كاملة للرأي العام.

 

 

الصحفية شيرين عرفة علّقت على تناقض الرواية الدرامية مع التسلسل الزمني، مشيرة إلى أن محمود عزت معتقل منذ 2020، بينما قضية الطائرة وقعت في أغسطس 2023. ونقلت في منشورها تفاصيل قالت إنها واردة في تحقيقات شرطة زامبيا، بينها وجود ضباط من الجيش والشرطة ضمن الموقوفين، ثم الإفراج عنهم لاحقًا، ما يضيف طبقة جديدة من الأسئلة بدل الإجابات.

 

سخرية واسعة.. “تهريب الإخوان” مقابل “طيارة العرجاني” في ميزان المقارنة

 

التفاعل على منصات التواصل اتخذ طابعًا ساخرًا وغاضبًا، خصوصًا مع عرض مشاهد في مسلسل “رأس الأفعى” تتحدث عن تهريب الدولار.

 

حسابات عديدة قارنت بين الاتهامات الموجهة للإخوان وبين واقعة طائرة زامبيا، معتبرة أن التشهير بخصوم السلطة يُستخدم كستار لصرف الانتباه عن ملفات محرجة لم تُحسم رسميًا أمام الرأي العام.

 

 

مستخدمون آخرون سخروا من الفكرة الزمنية نفسها. بعضهم كتب أن عزت “مسجون منذ 2020 حين كان الدولار قرب 15”، فكيف يُتهم بأنه سبب تعويمات لاحقة وارتفاعات وصلت إلى 50 و70، وفق تعليقات متداولة.

 

آخرون قالوا إن العالم رأى الطائرة وما عليها، بينما لا توجد أدلة علنية على رواية المسلسل، في إشارة إلى أزمة “الوقائع” في الخطاب الرسمي.

 

 

حسابات مثل “ThawretShaaab” كررت المقارنة نفسها بصياغة ساخرة، معتبرة أن السلطة تحاول لصق تهمة تهريب العملة بخصومها، بينما قضية الطائرة تلاحق دوائر مقربة من الحكم.

هذه اللغة تعكس مزاجًا سياسيًا معارضًا، لكنها لا تعوّض عن الحاجة إلى مستندات رسمية مصرية تفند أو تؤكد ما جرى، بدل ترك الساحة لروايات متضاربة.

 

 

 

وثائق ومحاكم.. ملكية معلنة و”ذهب مزيف” وطائرة أُفرج عنها ثم عادت للجدل

 

وفق ما نُسب إلى تحقيقات دولية بالتعاون مع OCCRP وتغطية سكاي نيوز، فإن إبراهيم العرجاني قدّم طلبًا في 30 يونيو 2024 لاستعادة ملكية الطائرة، وأظهرت وثائق أن شركة “سيناء الدولية المحدودة” المسجلة في سان مارينو هي المالكة المسجلة لطائرة من طراز Global Express، وأن العرجاني هو “المدير الوحيد” للشركة.

 

كما تضمنت الإفادة أنه لا هو ولا شركة إدارة الطائرة “إيبيس إير” لهم صلة بالمصريين الذين استأجروا الرحلة من القاهرة إلى لوساكا، وفق ما ورد في الوثائق المنشورة.

 

التفاصيل الأهم في هذا المسار أن السلطات الزامبية قالت إن القطع المعدنية التي بدت كأنها ذهب ليست ذهبًا، بل خليط من النحاس والزنك، ووصف مدير هيئة مكافحة المخدرات الزامبية ناسون باندا الواقعة بأنها “احتيال على الذهب”.

 

وفي أبريل من العام التالي أُفرج عن الطائرة بعد اتفاق مع شركة العرجاني، وغادرت لوساكا إلى جوهانسبرغ في 12 أبريل، وفق بيانات تتبع الرحلات المذكورة في التقارير.

 

في الخلفية، يتسع النقاش بسبب ارتباط العرجاني بملفات حساسة، بينها غزة ومعبر رفح وشركة “هلا”، وبسبب حضوره الاقتصادي والسياسي في الداخل، بما يشمل رعاية للنادي الأهلي في يناير 2023.

 

هذه الوقائع لا تثبت اتهامات جنائية بذاتها، لكنها ترفع سقف المطالبة بالشفافية: كيف غادرت طائرة بهذه الحمولة من مطار القاهرة؟ ومن سمح؟ ومن راقب؟ وما نتائج التحقيقات المصرية إن وُجدت؟

 

الملف، كما يظهر، لم يعد مجرد قصة طائرة في دولة أفريقية. صار مرآة لطريقة إدارة الرواية الرسمية في مصر، بين عمل درامي يتهم خصمًا سياسيًا، ووثائق محكمة في زامبيا تربط ملكية الطائرة باسم رجل أعمال مقرب من السلطة.

 

والحد الأدنى الذي يطالب به الرأي العام الآن ليس السخرية ولا التخوين، بل بيان رسمي مفصل يشرح ما حدث منذ لحظة الإقلاع من القاهرة حتى لحظة الإفراج في أبريل وما بعدها.