أثار قرار إخلاء سبيل المحامي علي أيوب بكفالة 50 ألف جنيه جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا، بعد البلاغ المقدم ضده من وزيرة الثقافة جيهان زكي، الذي اتهمته فيه بالإساءة والتشهير ونشر أخبار كاذبة.

 

القرار أعاد طرح سؤال المعايير: لماذا يُسرَّع مسار الملاحقة في مواجهة محامٍ تقدّم ببلاغ، بينما تبقى الاتهامات المثارة ضد مسؤولين وشخصيات نافذة محل جدل بلا بيانات تفصيلية حاسمة؟

 

القضية اندلعت عقب تقديم أيوب بلاغًا للنائب العام يتهم فيه الوزيرة بمخالفات تتعلق بتهريب قطع أثرية في 2022، وفق ما ذكره دفاعه، قبل أن يتحول مسار الأحداث إلى اتهام مضاد ضده بالسب والقذف والتشهير.

 

وبين الروايتين، تحركت النيابة، وصدر قرار الضبط، ثم الإخلاء بكفالة، في مشهد يُظهر سرعة استجابة تجاه النشر، مقابل بطء أو غياب توضيحات رسمية حول أصل الاتهامات.

 

بلاغات متبادلة واتهامات تُدار على منصات التواصل

 

بدأت القصة عمليًا مع منشورات نسبت للوزيرة اتهامات تمس حياتها الخاصة وذمتها المالية، ثم تحرك قانوني مضاد عبر بلاغ حمل رقم 22 لسنة 2026 “جنح اقتصادية”، صدر على أساسه أمر ضبط وإحضار للمحامي، وفق ما أوردته تقارير صحفية محلية.

 

مصادر قريبة من الدفاع قالت إن الرجل تحرك في إطار حقه بالنشر وحقه في تقديم بلاغات للنائب العام، بينما ترى الجهة الشاكية أن المنشورات تجاوزت إلى تشهير ونشر أخبار كاذبة.

 

في تقدير أستاذ القانون الدستوري محمد نور فرحات، فإن معيار الدولة الحديثة ليس “من يربح المعركة الإعلامية”، بل ضمان مسارين متوازيين: حماية السمعة عبر القانون، وعدم تحويل إجراءات الضبط إلى أداة ردع للنقد العام.

 

ويضيف أن القضايا المرتبطة بالنشر يجب أن تُدار بأعلى قدر من الشفافية، لأن نتيجتها لا تخص طرفين فقط، بل المناخ العام لحرية التعبير.

 

تزامن ذلك مع موجة سرديات متعارضة على “السوشيال ميديا”، بعضها ركّز على صورة الوزيرة، وبعضها على طريقة استقبالها لضيوف رسميين، وبعضها على مضمون البلاغات.

 

المثير هنا أن الجدل لم يبقَ في حدود “ذوق عام” أو “بروتوكول”، بل تمدد إلى اتهامات سياسية وإيحاءات تمس الأمن القومي، في مشهد يعكس توترًا اجتماعيًا أوسع من الواقعة ذاتها.

 

 

“الملكية الفكرية” تعود للواجهة.. والسؤال عن المعايير لا الأشخاص

 

في الخلفية، تبرز أزمة أخرى: تقارير صحفية تحدثت عن نزاع قضائي سابق مرتبط باتهام “اعتداء على حقوق الملكية الفكرية”، وتناقلت منصات محلية تفاصيل عن حكم اقتصادي صدر في يوليو (بحسب مصادر إعلامية) في سياق نزاع على محتوى كتاب.

 

منصة “المنصة” أشارت إلى أن أحد التحديات القانونية الأبرز أمام الوزيرة هو ملف “حقوق نشر” مع حديث عن ثبوت اقتباس مقاطع كاملة وفق منطوق حكم المحكمة الاقتصادية.

 

الناقد الفني طارق الشناوي يرى أن وزارة الثقافة ليست “مقعدًا شرفيًا”، بل موقع يفرض معيارًا أخلاقيًا ومؤسسيًا أعلى في ملفات مثل حقوق المؤلف وإدارة المؤسسات الثقافية.

 

ويضيف أن أي اتهام موثق في القضاء أو حتى محل نزاع جدي يجب أن يُجابَه ببيان رسمي واضح، لأن الصمت يترك المجال للروايات غير المنضبطة كي تبتلع الوقائع.

 

بينما يلفت مراقبون إلى أن الخلط بين “بلاغات فساد” و”تفاصيل شخصية” يربك المشهد عمدًا: تُدفع القضايا الجوهرية إلى الخلف، وتتصدر الساحة معارك سمعة رخيصة.

 

هنا يطالب نور فرحات بفصل المسارات: التحقيق في أي ادعاءات مالية أو إدارية عبر الأجهزة المختصة، وفي الوقت نفسه محاسبة أي تجاوزات نشر وفق ضمانات عادلة ومتوازنة، دون تحويل الملف إلى استعراض أمني.

 

صور البروتوكول وسحور رجال الأعمال.. سياسة ناعمة أم نفوذ فوق النقد؟

 

على خط موازٍ، استقبلت وزيرة الثقافة المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة لبحث تعاون ثقافي وفني، وفق بيانات وتقارير صحفية تحدثت عن “مفاجآت” ومبادرات تخص دار الأوبرا وأنشطة مشتركة.

 

هذه اللقاءات، في حد ذاتها، طبيعية بين دولتين، لكن توقيتها داخل عاصفة الجدل جعلها وقودًا إضافيًا لأسئلة النفوذ: من يحدد أجندة الثقافة؟ وما حدود تدخل المال والنجومية في مؤسسات الدولة؟

 

وتحوّل الجدل إلى “صورة” انتشرت على نطاق واسع، وقرأها كثيرون باعتبارها كسرًا للبروتوكول أو إشارة إلى اختلال ميزان العلاقة بين منصب رسمي وضيف نافذ. وبينما دافع آخرون عن “الودّ الشخصي”، بقي السؤال الأهم بلا إجابة: لماذا تترك المؤسسات فراغًا تملؤه التأويلات بدل تفسير رسمي بسيط ومباشر؟

 

 

ثم جاء “سحور” حضره رجال أعمال وأسماء عامة، وتناقلت منصات خبرية قائمة طويلة بالحضور، ما أعاد النقاش حول تداخل شبكات المال والإعلام والترفيه في المجال العام، حتى لو كان الحدث اجتماعيًا.

 

الخبير في العلاقات الدولية عبد المنعم سعيد يرى أن “القوة الناعمة” قد تتحول إلى ضغط سياسي غير مُعلن إذا غابت قواعد الإفصاح والحوكمة، خصوصًا عندما تتقاطع الثقافة مع التمويل والرعاية والصفقات.

 

وفي النهاية، تبقى الواقعة اختبارًا مزدوجًا: هل ترد الدولة على الاتهامات بالتحقيق والبيانات، أم بالقبض والبلاغات وحدها؟

 

وهل تُدار الثقافة باعتبارها حقًا عامًا مفتوحًا للنقد، أم باعتبارها “منطقة محصنة” لا تُمس؟

 

الإجابة ليست في “ترند” جديد، بل في إجراءات واضحة، ومعلومات منشورة، واحترام لحق المجتمع في المعرفة.