أقرّ مجلس النواب نهائيًا تعديلات الحكومة على قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008، رافعًا حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه بدلًا من 24 ألفًا، ومُعيدًا تنظيم الحصر والتقدير والطعن، في خطوة روّجت لها الأغلبية باعتبارها «اجتماعية»، بينما كشفت المناقشات ثغرات جوهرية في العدالة والحوكمة والقدرة على التطبيق.
التعديل يرفع الإعفاء ويَعِد بميكنة المنظومة وربطها بالتحول الرقمي. تقرير اللجنة المشتركة من الخطة والموازنة والإسكان والتشريعية قال إن الفلسفة تستهدف معالجة سلبيات التطبيق، وتحسين التحصيل وتقليل المنازعات عبر حوكمة الإجراءات. لكن الجدل تحت القبة عكس مخاوف حقيقية من اتساع التقدير الإداري، وطول مدد الطعون، وإمكانية تمرير التكلفة إلى المستأجرين.
إعفاء 100 ألف جنيه… بلا آلية تحصين من التضخم
مؤيدون اعتبروا رفع الإعفاء إلى 100 ألف جنيه تخفيفًا عن الشريحة الأوسع من ملاك الوحدات، في ظل ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة. معارضون طالبوا بربط الحد بمؤشر أسعار رسمي أو مراجعة دورية حتى لا تتآكل قيمته الحقيقية مع التضخم.
الخلل هنا واضح. حد ثابت في اقتصاد متقلب يعني تراجعًا فعليًا في الحماية خلال سنوات قليلة. الدكتور جوزيف ستيجليتز، الحائز نوبل في الاقتصاد، يؤكد أن “العدالة الضريبية تتطلب قواعد مرنة تُحدّث تلقائيًا مع التضخم، وإلا تحولت الإعفاءات إلى رقم اسمي بلا أثر”. تجاهل هذا المبدأ يضعف البعد الاجتماعي الذي تتحدث عنه الحكومة.
الأرقام لا تتحرك وحدها. إذا ظل الإعفاء 100 ألف جنيه دون آلية تلقائية، فستتآكل قيمته الشرائية سريعًا. البرلمان مرّر النص من دون نص ملزم بالمراجعة الدورية، مكتفيًا بوعود عامة.
عدالة التقدير… وهوامش تقدير إداري واسعة
الحكومة دافعت عن إعادة هيكلة الحصر والتقدير باعتبارها خطوة نحو الدقة والشفافية. لكن نوابًا حذروا من اتساع هامش التقدير الإداري، وطالبوا بضمانات تمنع التفاوت بين المناطق وتوحد المعايير عند تقييم العقارات.
جوهر الأزمة ليس في الميكنة وحدها، بل في المعايير. إذا لم تُنشر أدلة استرشادية تفصيلية للتقييم، وبروتوكولات موحدة، ستظل الفجوات قائمة. البروفيسور فيتو تانزي، الخبير الدولي في المالية العامة، يشير إلى أن “نجاح الضرائب العقارية يعتمد على شفافية قواعد التقييم وقابلية التحقق منها، لا على وعود التحول الرقمي فقط”.
من دون قواعد منشورة وآجال ملزمة للبت في التظلمات، تبقى العدالة رهينة التقدير. هذا ما يخشاه معارضو المشروع. التحصيل قد يتحسن، لكن الثقة قد تتآكل.
الطعون والرقمنة… مخاطر الإقصاء وتمرير التكلفة
الأغلبية رحبت بتنظيم مسار الطعن لتقليل النزاعات. معارضون أبدوا تخوفهم من طول مدد الفصل أو تعقيد الإجراءات الرقمية على كبار السن وغير القادرين على استخدام المنصات. مطالبات بآليات دعم فني لم تتحول إلى التزام تشريعي واضح.
الرقمنة أداة. لكنها قد تصبح عائقًا إذا غابت المساعدة. الدكتورة ماريان ماظوكاتو، أستاذة اقتصاد الابتكار، تحذر من أن “التحول الرقمي دون استثمار في القدرات البشرية والدعم الميداني يعمّق فجوة الوصول ويُضعف الامتثال الطوعي”.
على صعيد السوق، مؤيدون قالوا إن إدماج التكنولوجيا سيحسن التحصيل دون أعباء جديدة. آخرون حذروا من أن تشديد المتابعة قد ينعكس على سوق الإيجارات، ويدفع بعض الملاك لتمرير التكلفة إلى المستأجرين. هذا الاحتمال يتطلب رقابة موازية وسياسات مرافقة، لم تُفصّل في النص.
الحكومة تقول إنها تحقق توازنًا بين حماية المسكن وتعظيم الكفاءة الضريبية. لكن التعارض بين هدفَي الحماية وتعظيم الإيرادات يحتاج أدوات دقيقة. رفع الإعفاء خطوة، لكن من دون ربطه بمؤشر أسعار، ومن دون معايير تقييم منشورة وآجال ملزمة للطعون، يبقى التوازن هشًا.
البرلمان مرّر التعديل بأغلبية، رغم تباين واضح في الرؤى حول كفاية الإعفاء، وعدالة التقدير، ومدد الفصل في الطعون، وتأثير التحصيل على السوق. المطلوب الآن ليس بيانات طمأنة، بل نصوص تنفيذية واضحة: مراجعة دورية للإعفاء، أدلة تقييم معلنة، مهل إلزامية للفصل، وآليات دعم غير رقمية للمكلفين.
من دون ذلك، قد يتحول «البعد الاجتماعي» إلى عنوان، بينما تتحمل الأسر تبعات تضخم يأكل الإعفاءات، وسوق يختبر قدرة التشريع على تحقيق العدالة قبل تعظيم الإيرادات.

