يرصد صالح سالم من القاهرة تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ويكشف كيف بدأت ارتداداتها تضرب قطاعات حيوية في الاقتصاد المصري، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة إذا طال أمد المواجهة. ينقل الكاتب صورة اقتصاد يلتقط أنفاسه بعد صدمات متتالية، ليجد نفسه أمام موجة جديدة من الضغوط.

 

ينشر العربي الجديد هذا التقرير في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، ويعرض مؤشرات مبكرة على تأثر البورصة والطاقة والسياحة والتحويلات المالية، مع تحذيرات خبراء من أن تتعمق الخسائر إذا استمرت الحرب.

 

صدمة الطاقة والبورصة

 

تكبّدت البورصة المصرية خسائر حادة في أول جلسة تداول بعد اندلاع الحرب، وخيّم القلق على المستثمرين مع موجة بيع واسعة للأسهم. حذّر محللون من أن يدفع الذعر إلى خسائر إضافية إذا استمرت عمليات التخارج.
علّقت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر، والتي تغطي ما بين 15 و20 في المئة من احتياجاتها اليومية، بعد قرار إغلاق حقول بحرية رئيسية مثل ليفياثان وكاريش لدواعٍ أمنية. استندت تل أبيب إلى بند “القوة القاهرة” في عقود التوريد، ما أتاح وقف الالتزامات خلال ظروف استثنائية.

 

أجبر تعليق الإمدادات القاهرة على إعادة توجيه الغاز المتاح لتلبية الطلب المحلي، في وقت يتراجع فيه الإنتاج الداخلي وترتفع الحاجة إلى الاستيراد. أوقفت مصر كذلك ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يوميًا إلى لبنان وسوريا عبر خط الغاز العربي، وسارعت إلى البحث عن بدائل عبر زيادة واردات الغاز المسال واستخدام المخزونات ورفع درجات الاستعداد قبل موسم الصيف الذي يبلغ فيه استهلاك الكهرباء ذروته.

 

يرى خبراء أن تمثل هذه التطورات “قمة جبل الجليد”، وأن يواجه الاقتصاد ضربات أشد إذا طال أمد الحرب، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

 

قناة السويس والسياحة تحت الضغط

 

تأتي الصدمة الجديدة بينما يحاول الاقتصاد التعافي من آثار جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية على غزة. أضعفت تلك الأزمات سلاسل الإمداد ورفعت كلفة الواردات وضغطت على الجنيه.

 

تضررت إيرادات قناة السويس خلال العامين الماضيين مع هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، إذ دفعت المخاطر شركات شحن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن القناة. يعيد التصعيد مع إيران شبح الاضطراب إلى الممر الملاحي، وتخشى شركات كبرى من تجدد الهجمات، ما قد يدفعها لاختيار طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى كلفة.

 

يحذّر متخصصون من أن ينعكس أي توتر طويل الأمد سلبًا على السياحة، التي ساهمت بنحو 8.6 في المئة من الناتج المحلي في 2025. يتوقع خبراء إلغاء حجوزات وارتفاع كلفة التأمين وتذاكر الطيران إذا علّقت شركات طيران دولية رحلاتها، ما يضغط على تدفقات الزوار.

 

تحويلات الخليج ومخاوف جيوسياسية

 

ترتبط مخاوف القاهرة أيضًا بمصير ملايين المصريين العاملين في دول الخليج. تصعّد إيران هجماتها المتفرقة على دول مجلس التعاون، ما يثير قلقًا بشأن استقرار أسواق العمل هناك. يرسل هؤلاء العاملون عشرات المليارات من الدولارات سنويًا إلى مصر؛ وقد بلغت التحويلات 41.5 مليار

 

دولار في 2025 بزيادة 40.5 في المئة عن العام السابق، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

 

يضيف أي تراجع محتمل في التحويلات ضغطًا جديدًا على الاقتصاد، بالتزامن مع توقعات بارتفاع أسعار النفط عالميًا. أنشأت الحكومة غرفة عمليات لمتابعة تطورات الحرب وتقييم آثارها واتخاذ التوصيات اللازمة.
دفعت هذه الحسابات القاهرة في الأسابيع الماضية إلى تكثيف اتصالاتها الدبلوماسية بين واشنطن وطهران سعيًا لاحتواء التصعيد. تنطلق هذه الجهود من خشية استراتيجية أعمق من أن يفضي انهيار إقليمي إلى اختلال كبير في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل.

 

يتردد في الأوساط السياسية تحذير من أن يفتح استمرار الحرب الباب أمام تحولات جذرية في المنطقة، وأن يهدد “السلام البارد” القائم منذ اتفاق 1979. عبّر قائد عسكري مصري متقاعد عن هذه المخاوف بقوله إن انهيار إيران قد يغيّر موازين القوى جذريًا، ما يضع دولًا أخرى أمام استحقاقات صعبة.

 

تعكس هذه الصورة اقتصادًا يقف عند مفترق طرق: فإما أن تنحسر الحرب سريعًا وتخف الضغوط، أو تستمر المواجهة فتتعمق الجراح في بورصة الطاقة، وإيرادات القناة، والسياحة، والتحويلات، وتفرض واقعًا اقتصاديًا أشد قسوة على القاهرة.

 

https://www.newarab.com/news/egypt-faces-more-economic-jolts-us-israel-war-iran-drags