في إجابة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي عن سؤال: تُوزَّع أحيانًا إمساكيات في شهر رمضان ويُحدد فيها موعد للإمساك يختلف عن موعد أذان الفجر فما حكم ذلك؟ وهل من أكل بعد هذا الموعد الذي تم تحديده وقبل الأذان يكون صومه باطلًا؟

 

فيقول فضيلته إن السحور من السنن المؤكدة في الصيام، وقد حثّ النبي ﷺ عليه لما فيه من بركة وقوة للصائم تعينه على تحمّل الجوع والعطش، خاصة مع طول ساعات النهار. ويبدأ وقت السحور من منتصف الليل وينتهي بتيقن طلوع الفجر، لذلك لا أصل شرعي لتحديد وقت للإمساك قبل الفجر بدقائق كما هو شائع في بعض التقاويم. وقد قال النبي ﷺ: «تسحروا فإن في السحور بركة»، كما أن السحور يميّز صيام المسلمين عن صيام أهل الكتاب. ويكفي في السحور أي قدر من الطعام، ولو تمرات، بل حتى شربة ماء، لما ورد في الأحاديث من الحث على عدم تركه. كما أن لهذا الوقت فضلًا روحيًا؛ إذ يتيح للمسلم الإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار في وقت السحر الذي تتنزل فيه الرحمات.

 

ويستطرد العلامة أنه من السنة أيضًا تأخير السحور إلى ما قبل الفجر بقليل، كما ورد في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن الوقت بين السحور والصلاة كان قدر قراءة خمسين آية. ويؤكد القرآن جواز الأكل والشرب حتى يتبين طلوع الفجر، كما في قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}. وقد نقل عن عدد كبير من الصحابة والتابعين التساهل في السحور عند قرب الفجر، ما يدل على سعة الشريعة في هذا الأمر. لذلك فإن تعجيل الإمساك قبل الفجر بوقت طويل بدافع الاحتياط يخالف هدي النبي ﷺ وأصحابه، وقد عدّه بعض العلماء من البدع التي ظهرت لاحقًا، لما فيه من تضييق على الناس ومخالفة للسنة التي تدعو إلى تأخير السحور وتعجيل الفطر.

 

وجاء نص جواب سماحة الشيخ يوسف القرضاوي كما يلي:

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فالسحور سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم- وفيه تقوية للصائم على الصوم، وبالحرص على السحور ندرك الدقائق الغالية حيث قرب الزمان والمكان من الله تعالى، ويبدأ السحور من منتصف الليل، وينتهي بتيقن طلوع الفجر، ومن ثم فتحديد وقت للإمساك قبل الفجر بدقائق هذا لا أساس له من الصحة.

 

مما سنَّه النبي صلى الله عليه وسلم للصائم أن يتسحر، وأن يؤخر السحور. والسحور: ما يؤكل في السحر، أي بعد منتصف الليل إلى الفجر، وأراد بذلك أن يكون قوة للصائم على احتمال الصيام، وجوعه وظمئه، وخصوصًا عندما يطول النهار؛ ولذا قال: "تسحروا فإن في السحور بركة". (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان-665)، وفيه تمييز كذلك لصيام المسلمين عن غيرهم، وفي الصحيح: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ أكلة السحر". (مسلم -1096، وأبو داود (2343)، والنسائي (2168)، والترمذي (907، عن عمرو بن العاص).

 

والأصل في السحور أن يكون طعامًا يؤكل، ولو شيئًا من التمر، وإلا فأدنى ما يكفي شربة من ماء. روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "السحور كله بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين". (قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد، وإسناده قوي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3683)، عند ابن حبان (883، 884) عن حديث ابن عمر: "تسحروا ولو بجرعة ماء".

 

ومن بركة السحور: أنه - بجوار ما يهيئه للمسلم من وجبة مادية - يهييء له وجبة روحية، بما يكسبه المسلم من ذكر واستغفار ودعاء، في هذا الوقت المبارك، وقت السحر الذي تنزل فيه الرحمات، عسى أن يكون من المستغفرين بالأسحار. ومن السنة تأخير السحور، تقليلًا لمدة الجوع والحرمان، قال زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، فسأله أنس: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين آية (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -666).

 

وقوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (البقرة:187) تفيد جواز الأكل إلى أن يتبين الفجر. ومن شك هل طلع الفجر أم لا؛ جاز له أن يأكل ويشرب حتى يستيقن، وهكذا قال حبر الأمة ابن عباس: كل ما شككت حتى تستيقن. ونقله أبو داود عن الإمام أحمد: أنه يأكل حتى يستيقن طلوعه.

 

بل روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن حذيفة قال: تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (ذكره ابن كثير في تفسيره -222/1)، وحمله النسائي على أن المراد قرب النهار. عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه". (رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي 426/1)، وعن عائشة: أن بلالًا كان يؤذن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم: فإنه لا يؤذن، حتى يطلع الفجر". (البخاري في الصوم).

 

قال ابن كثير: "وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين، منهم محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء والحسن، والحكم بن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش، وجابر بن راشد". (تفسير ابن كثير -222/1 ط. عيسى الحلبي)

 

ومن هنا نعلم أن الأمر في وقت الفجر، ليس بالدقيقة والثانية، كما عليه الناس اليوم، ففي الأمر سعة ومرونة وسماحة، كما كان عليه الكثير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وما تَعَوَّدَه كثير من المسلمين من الإمساك مدة قبل الفجر من قبيل الاحتياط مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكتابة ذلك في الصحف والتقاويم والإمساكيات مما ينبغي أن يُنكر.

 

قال الحافظ ابن حجر: "من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس. وقد جرَّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا - فأخَّروا الفطور وعجَّلوا السحور، وخالفوا السنة؛ فلذلك قل عنهم الخير، وكثر الشر، والله المستعان"! (فتح الباري -102/5 ط. الحلبي).

 

والله أعلم