أعلنت وزارة الصحة والسكان في مصر عدم تسجيل أي إصابات مؤكدة بفيروس هانتا داخل البلاد، مؤكدة أن الوضع الصحي مستقر وآمن، وأن منظومة الترصد تعمل في الموانئ والمطارات والمنافذ على مدار الساعة، بعد تفشي محدود على سفينة إم في هونديوس أسفر عن 8 حالات و3 وفيات.

 

وتكشف طريقة تعامل الوزارة مع الملف مأزقًا متكررًا في إدارة الأزمات الصحية، إذ تبدأ السلطة بخطاب التطمين ونفي القلق قبل نشر تفاصيل كافية عن خطط الفحص والاستعداد والعزل، بينما يحتاج المواطن إلى معلومة دقيقة لا تهوين رسمي يطلب الثقة من دون كشف أدوات الحماية.

 

بيان الصحة يطمئن ولا يكشف خطة مواجهة كافية

 

قالت وزارة الصحة إن فيروس هانتا معروف منذ سنوات، ويرتبط أساسًا بالقوارض وبيئاتها، وينتقل إلى الإنسان غالبًا عبر التعرض لإفرازات القوارض المصابة، كما أكدت أن معظم أنواعه لا تنتقل بين البشر باستثناء نوع أنديز الذي سجل انتقالًا محدودًا بين مخالطين قريبين.

 

لكن البيان الرسمي اكتفى بتأكيد كفاءة الترصد الوبائي في المنافذ والموانئ والمطارات، ولم يشرح للرأي العام عدد نقاط الفحص الجاهزة ولا بروتوكول التعامل مع مسافر قادم من منطقة خطرة، كما لم يحدد ما إذا كانت المستشفيات تلقت تعليمات محدثة لتشخيص الحالات المشتبهة.

 

وبسبب هذا النقص، لا يكفي أن تقول الوزارة إن الوضع لا يدعو للقلق، لأن القلق لا يعالج بالإنكار ولا بالتطمين العام، بل يعالج بنشر إجراءات واضحة عن العزل والفحص والتعامل مع القوارض وتدريب الفرق الطبية على أعراض مرض نادر قد يبدأ كإنفلونزا عادية.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور مينا ثابت قليني، مدرس الأدوية العلاجية بكلية الطب جامعة المنيا، ضرورة ضبط الرسائل الطبية، لأنه سبق أن حذر خلال كورونا من نشر أسماء أدوية لغير المختصين، وطالب بألا تتحول البيانات الصحية إلى باب لخداع الناس أو لاستخدام عشوائي يضر المرضى.

 

ومن هنا، تبدو مشكلة وزارة الصحة في هانتا امتدادًا لعادتها في التهوين اللفظي، فالوزارة تعلن الاستقرار والأمان وتطلب الاعتماد على بياناتها فقط، لكنها لا تمنح المواطن بيانًا تفصيليًا يشرح كيف تتعامل الدولة مع خطر وافد عبر السفر أو السفن أو القوارض أو المخالطة الطويلة.

 

خطر هانتا على الإنسان يبدأ بأعراض عادية وقد ينتهي بفشل تنفسي

 

يصنف الأطباء فيروس هانتا ضمن الأمراض حيوانية المنشأ التي تنتقل من القوارض إلى الإنسان، وتحدث العدوى غالبًا عند استنشاق هواء ملوث ببول القوارض أو برازها أو لعابها، خصوصًا في الأماكن المغلقة أو غير النظيفة أو المخازن والمواقع التي تسمح بتكاثر الفئران.

 

وشرح الدكتور حاتم عبد الحق، أخصائي الباطنة والطوارئ والحالات الحرجة، أن المرض يمر بمرحلتين تجعلان التشخيص المبكر صعبًا، إذ تبدأ المرحلة الأولى بحرارة ورعشة وآلام عضلية وأعراض تشبه الإنفلونزا، ثم قد تتطور بعض الحالات إلى سعال حاد وضيق تنفس أو حمى نزفية وفشل كلوي.

 

كما أوضح الدكتور عبد الهادي خضر، أستاذ أمراض الباطنة في مستشفى روبرت وود جونسون بنيوجيرسي، أن خطورة المرض ترتبط بفترة حضانة طويلة قد تمتد من أسبوع إلى 8 أسابيع، ما يسمح للمصاب بالحركة والسفر قبل ظهور الأعراض، ويجعل تتبع المخالطين مهمة مرهقة للسلطات الصحية.

 

وبناء على ذلك، لا يصبح انخفاض خطر الانتشار سببًا لتخدير الناس، لأن خطورة هانتا ليست في سرعة انتقاله مثل كورونا، بل في شدة المرض عند بعض المصابين، وفي غياب علاج نوعي يقضي على الفيروس، إذ يعتمد العلاج غالبًا على دعم التنفس والرعاية المركزة ومتابعة المضاعفات.

 

وتقول المراجع الصحية الدولية إن سلالة أنديز قادرة على إحداث متلازمة رئوية شديدة، وإنها النوع المعروف بإمكان انتقاله بين البشر في حالات نادرة عبر مخالطة قريبة وطويلة، لذلك يجب أن تشرح وزارة الصحة هذا الفارق للمواطن بدل الاكتفاء بعبارة أن الفيروس ليس كوفيدًا جديدًا.

 

مصر تحتاج استعدادًا معلنًا لا خطاب تهدئة مكررًا

 

تحتاج مصر إلى خطة منشورة لمواجهة هانتا لأن البلد يملك موانئ ومطارات وحركة سفر وسلع ومناطق تخزين وأسواقًا عشوائية تسمح بوجود القوارض، ولا يجوز أن تختصر الوزارة استعدادها في عبارة الترصد يعمل بكفاءة من دون كشف آليات مكافحة القوارض والفحص البيئي والتوعية الطبية.

 

ويرى الدكتور أمجد الحداد، استشاري الحساسية والمناعة، أن انتقال هانتا لا يحدث بسهولة بين البشر في معظم الحالات، وأن مصدر العدوى الأساسي هو القوارض لا التواصل المباشر، وهذا الرأي يخدم التمييز العلمي المطلوب بين رفض الهلع ورفض التهوين، لأن الوقاية تبدأ من البيئة لا من الشعارات.

 

لذلك يجب أن تعلن وزارة الصحة إجراءات محددة داخل المنافذ، تشمل سؤال القادمين من مناطق رصدت فيها حالات عن التعرض للقوارض أو مخالطة مصابين، وتوجيه المستشفيات لرصد الحالات التنفسية الغامضة، وتجهيز مسار إحالة واضح للحالات التي تجمع بين الحمى وضيق التنفس وتاريخ سفر مريب.

 

وفي الوقت نفسه، يجب أن تتحرك وزارة الصحة مع المحليات والطب البيطري والبيئة لمكافحة القوارض في الموانئ والمخازن والأسواق والمناطق السكنية الفقيرة، لأن تحميل المواطن مسؤولية غسل اليدين فقط يترك السبب البيئي قائمًا، بينما يعرف الجميع أن الفئران تنتشر حيث تغيب النظافة والرقابة والخدمات.

 

كذلك لا يجوز أن تستدعي الوزارة ذاكرة كورونا فقط كي تطمئن الناس بأن هانتا مختلف، لأن ذاكرة كورونا عند المواطنين لا تعني الخوف من كل فيروس، بل تعني فقدان الثقة في بيانات رسمية تأخرت كثيرًا عن الاعتراف بالمخاطر وسبقت كثيرًا إلى طلب الاطمئنان.

 

وفي الخلاصة، لا يحتاج المصريون إلى فزع من فيروس هانتا، لكنهم لا يحتاجون أيضًا إلى خطاب رسمي يضع الطمأنة قبل الإفصاح، فالمرض منخفض الانتشار لكنه قد يكون قاتلًا، والوزارة التي تحترم صحة الناس تنشر خطتها قبل أن تطلب ثقتهم، وتتعامل مع الوقاية كحق لا كبيان علاقات عامة.