دخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة من الضغوط مع توالي الأزمات العالمية والإقليمية، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية ثم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. هذه التطورات كشفت هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الخارجية رغم سنوات من الإصلاحات المكلفة التي تحمل المواطن الجزء الأكبر من أعبائها منذ 2016.

 

منذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، جرى تعويم الجنيه وخفض الدعم وفرض سياسات تقشفية أثرت بشكل مباشر على مستويات المعيشة. ورغم الوعود الحكومية بتحقيق استقرار اقتصادي مستدام، ما زال الاقتصاد يواجه صدمات متكررة مرتبطة بتحركات الأسواق العالمية وتدفقات النقد الأجنبي.

 

ويرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن الأزمة لا تتعلق فقط بالصدمات الخارجية، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. ويقول إن الاعتماد على مصادر دخل مرتبطة بالظروف الدولية يجعل الاقتصاد شديد الحساسية لأي تغيرات سياسية أو اقتصادية خارجية.

 

إصلاحات قاسية ومشروعات ضخمة بلا عائد واضح

 

بدأت مصر في 2016 تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع النطاق بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. البرنامج تضمن تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الطاقة تدريجياً، وتقليص الدعم الحكومي، في إطار محاولة لخفض عجز الموازنة وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي.

 

لكن هذه السياسات انعكست مباشرة على المواطن عبر ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فتكلفة الإصلاح تحملتها الأسر بشكل أساسي، بينما ظل تأثيره على مستويات الإنتاج والصناعة محدوداً مقارنة بحجم الإجراءات المتخذة.

 

في الوقت نفسه أنفقت الدولة مئات المليارات على مشروعات بنية تحتية ومدن جديدة وموانئ وشبكات طرق. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن إجمالي الإنفاق على هذه المشروعات تجاوز 500 مليار دولار خلال السنوات الماضية.

 

ورغم ضخامة هذه الاستثمارات، يطرح اقتصاديون تساؤلات حول مدى انعكاسها على الاقتصاد الحقيقي. فالكثير من هذه المشروعات لم يتحول بعد إلى محركات إنتاج أو صادرات قادرة على دعم العملة المحلية أو خلق فرص عمل واسعة.

 

ويقول الدكتور عبدالخالق فاروق، الباحث الاقتصادي، إن المشكلة ليست في الإنفاق على البنية التحتية بحد ذاته، بل في غياب استراتيجية واضحة تربط هذه المشروعات بزيادة الإنتاج الصناعي والزراعي. ويضيف أن التركيز على الإنفاق الرأسمالي دون توسيع قاعدة الإنتاج يجعل العوائد الاقتصادية محدودة.

 

صدمات عالمية تكشف ضعف النموذج الاقتصادي

 

تعرض الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة لسلسلة صدمات كشفت مدى تأثره بالتطورات الدولية. ففي 2020 أدت جائحة كورونا إلى تراجع السياحة العالمية، وهو ما انعكس مباشرة على أحد أهم مصادر العملة الأجنبية في مصر.

 

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 لتضيف ضغوطاً إضافية. فقد أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالمياً، كما تسببت في خروج استثمارات أجنبية ضخمة من أدوات الدين المصرية في ما يعرف بظاهرة "الأموال الساخنة".

 

وفي 2023 أدت حرب غزة والتوترات في البحر الأحمر إلى تراجع حاد في إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة الملاحة العالمية. هذا التراجع سلط الضوء مجدداً على مدى اعتماد الاقتصاد المصري على مصادر دخل معرضة للتقلبات السياسية.

 

ورغم إعلان الحكومة تحقيق معدل نمو يقارب 5.3% خلال أول ربعين من العام المالي الحالي، يرى بعض الخبراء أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة تحسناً حقيقياً في بنية الاقتصاد.

 

ويقول الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن معدلات النمو المرتفعة لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي للمواطنين. ويضيف أن النمو الحقيقي يجب أن يرتبط بزيادة الإنتاج والصادرات وليس فقط بالتوسع في الإنفاق الحكومي أو الاستثمارات العقارية.

 

اقتصاد يعتمد على الدولار الخارجي

 

تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على مصادر نقد أجنبي مرتبطة بالخارج، مثل تحويلات المصريين في الخارج وإيرادات السياحة وعوائد قناة السويس.

 

ووفق الأرقام المتاحة، بلغ إجمالي الإيرادات الدولارية من هذه المصادر نحو 112.6 مليار دولار خلال 2025. لكن هذه الموارد تظل شديدة الحساسية للأزمات العالمية والتوترات السياسية.

 

فعلى سبيل المثال تراجعت إيرادات قناة السويس إلى نحو 4.1 مليار دولار بعدما كانت تقترب من 10 مليارات دولار قبل اندلاع حرب غزة. هذا التراجع يعكس مدى ارتباط هذا المصدر الحيوي بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة.

 

وتشير التقديرات إلى أن هذه الموارد الثلاثة تمثل نحو 56.5% من إجمالي النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري. وهو ما يعني أن أي أزمة عالمية قد تؤدي إلى ضغوط مباشرة على الجنيه وعلى قدرة الدولة على توفير الدولار.

 

إضافة إلى ذلك تحول الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة إلى مستورد صافٍ للطاقة. فقد بلغت فاتورة واردات النفط والغاز نحو 20 مليار دولار خلال العام المالي 2024 – 2025، ما يزيد من تأثر الاقتصاد بتقلبات أسعار الطاقة العالمية.

 

ويضيف أن التحول الحقيقي يتطلب إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو دعم الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات الصناعية. فبدون هذا التحول سيظل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية مهما ارتفعت معدلات النمو المعلنة.

 

وفي ظل استمرار الأزمات الدولية، يواجه الاقتصاد المصري اختباراً جديداً يتعلق بقدرته على تغيير مساره الاقتصادي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بتحقيق نمو رقمي، بل بقدرة الاقتصاد على بناء مصادر دخل مستقرة ومستقلة عن التقلبات العالمية.