يوضح د. يوسف القرضاوي، في كتابه فقه الصوم أن العلماء أجمعوا على جواز إفطار المريض في شهر رمضان استنادًا إلى قول الله تعالى: {فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر}، لأن الشريعة تقوم على التيسير ورفع المشقة. والمرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي الصوم معه إلى زيادة المرض، أو تأخر الشفاء، أو يسبب مشقة شديدة تعجز المريض عن أداء عمله أو ممارسة حياته بشكل طبيعي.
وقد سُئل الإمام أحمد: متى يفطر المريض؟ فقال: إذا لم يستطع الصوم، وذكر أن الحمى من الأمراض الشديدة التي تبيح الفطر. وتختلف الأمراض في حكمها؛ فهناك أمراض لا يتأثر صاحبها بالصيام مثل وجع الضرس أو الجروح البسيطة، فلا يباح معها الفطر. كما توجد أمراض قد يكون الصوم نافعًا لها مثل بعض أمراض المعدة كالتخمة والإسهال، لذلك يكون المعيار هو خوف الضرر أو المشقة الشديدة. ويُعرف ذلك إما بتجربة المريض نفسه أو برأي طبيب موثوق.
كما أوضح أنه يجوز الفطر لمن كان سليمًا لكنه يخشى أن يؤدي الصوم إلى إصابته بمرض أو ضرر صحي، وذلك إذا ثبت له الأمر بالتجربة أو بنصيحة طبيب ثقة. وإذا أُبيح للمريض الفطر لكنه أصر على الصيام مع وجود ضرر محتمل فقد فعل أمرًا مكروهًا، لأنه رفض رخصة الله وأضر بنفسه، أما إذا تأكد الضرر واستمر في الصيام فقد ارتكب أمرًا محرمًا لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا}. أما حكم تعويض الأيام التي يفطرها المريض فيختلف باختلاف نوع المرض. فإذا كان المرض مؤقتًا ويرجى الشفاء منه فعلى المريض قضاء الأيام التي أفطرها بعد زوال المرض، يومًا بيوم. أما إذا كان المرض مزمنًا لا يُرجى شفاؤه، فحكم صاحبه كحكم الشيخ الكبير، فيُخرج فدية بإطعام مسكين عن كل يوم، ويجوز عند بعض الفقهاء دفع قيمتها مالًا للفقراء.
وجاء نص ما جاء بالكتاب كما يلي:
أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض، لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة:185) فبالنص والإجماع يجوز الفطر للمريض، ولكن ما المرض المبيح للفطر، إنه المرض الذي يزيده الصوم، أو يؤخر الشفاء على صاحبه، أو يجعله يتجشم مشقة شديدة، بحيث لا يستطيع أن يقوم بعمله الذي يتعيش منه ويرتزق منه، فمثل هذا المرض هو الذي يبيح الفطر..
قيل للإمام أحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع. قيل له: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى؟ وذلك، أن الأمراض تختلف، فمنها مالا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس وجرح الأصبع والدمل الصغير وما شابههما، ومنها ما يكون الصوم علاجًا له، كمعظم أمراض البطن، من التخمة، والإسهال، وغيرها فلا يجوز الفطر لهذه الأمراض، لأن الصوم لا يضر صاحبها بل ينفعه، ولكن المبيح للفطر ما يخاف منه الضرر.
والسليم الذي يخشى المرض بالصيام، يباح له الفطر أيضًا كالمريض الذي يخاف زيادة المرض بالصيام، وذلك كله يعرف بأحد أمرين: إما بالتجربة الشخصية، وإما بإخبار طبيب مسلم موثوق به، في فنه وطبه، وموثوق به في دينه وأمانته، فإذا أخبره طبيب مسلم بأن الصوم يضره، فله أن يفطر، وإذا أُبيح الفطر للمريض، ولكنه تحمل وصام مع هذا فقد فعل مكروهًا في الدين لما فيه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف ربه وقبول رخصته، وإن كان الصوم صحيحًا في نفسه، فإن تحقق ضرره بالصيام وأصر عليه فقد ارتكب محرمًا، فإن الله غني عن تعذيبه نفسه، قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29) .
هل يجوز للمريض أن يتصدق بدل الأيام التي أفطرها وهو مريض؟
المرض نوعان: مرض مؤقت يرجى الشفاء منه وهذا لا يجوز فيه فدية ولا صدقة، بل لابد من قضائه كما قال تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:184)، فإذا أفطر شهرًا فعليه شهر وإذا أفطر يومًا فعليه يوم، فإذا أفطر أيامًا فعليه أن يقضي مثلها حين يأتيه الله بالصحة وتتاح له فرصة القضاء.. هذا هو المرض المؤقت.
أما المرض المزمن فحكم صاحبه كحكم الشيخ الكبير والمرأة العجوز إذا كان المرض لا يرجى أن يزول عنه، ويعرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الأطباء فعليه الفدية: إطعام مسكين. وعند بعض الأئمة - كأبي حنيفة - يجوز له أن يدفع القيمة نقودًا إلى من يرى من الضعفاء والفقراء والمحتاجين.

