دخل التصعيد الإسرائيلي في لبنان مرحلة أكثر اتساعًا خلال الأحد 8 مارس 2026، بعدما تزامنت الغارات الجوية الواسعة على بلدات الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت مع اعتراف إسرائيلي بسقوط قتلى في صفوف قواتها خلال العمليات البرية.

 

وزارة الصحة اللبنانية أعلنت مقتل 19 شخصًا وإصابة 5 آخرين في سلسلة غارات ليلية استهدفت بلدات عدة في الجنوب، فيما قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الجيش أعلن مقتل جندي خلال القتال في لبنان، بالتوازي مع استمرار التوغل المحدود والاشتباكات المباشرة مع حزب الله.

 

هذا التداخل بين القصف الجوي والخسائر البرية يكشف أن الجبهة اللبنانية لم تعد مجرد ساحة ضغط جانبية، بل تحولت إلى ميدان حرب مفتوح يدفع المدنيون ثمنه أولًا.

 

غارات واسعة تحصد المدنيين وتضرب بلدات الجنوب

 

الحصيلة التي أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية تعكس اتساع نطاق الاستهداف خلال ليلة واحدة. الغارات طالت حبوش، جبال البطم، القصير، كفررمان، دبين وعيترون، وأوقعت قتلى وجرحى وأضرارًا في مبانٍ سكنية.

 

كما أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بوقوع أضرار كبيرة في السرايا الحكومية في تبنين، بما يعني أن الضربات لم تتوقف عند حدود استهداف مناطق مفتوحة أو مواقع معزولة، بل امتدت إلى مراكز إدارية ومناطق مأهولة.

 

وفي الشعيتية ورشاف وصربين سقط ضحايا أيضًا، بينما أسفرت غارة على مقهى في جبال البطم عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4، وقتلت غارة على تفاحتا 5 أشخاص في حصيلة أولية، فيما قُتل 4 آخرون في قانا بعد استهداف منزل.

 

هذه الخريطة الميدانية توضح أن القصف الإسرائيلي لم يعد محصورًا في شريط حدودي ضيق. الجنوب كله صار مكشوفًا، من النبطية إلى قضاء صور وصيدا. ومع اتساع الضربات، تتكرر الصورة نفسها: منازل، مقاهٍ، مقار عامة، وبلدات مأهولة تدخل بنك الأهداف.

 

الباحث اللبناني رمزي قيس من هيومن رايتس ووتش قال إن أوامر الإخلاء الإسرائيلية الواسعة، المتزامنة مع الضربات، تثير مخاطر جدية تتعلق بقوانين الحرب، لأن توجيه المدنيين إلى المغادرة لا يلغي حمايتهم القانونية ولا يحول من يبقى في منزله إلى هدف مشروع. أهمية هذا التقدير أنه يضع ما يحدث في إطار قانوني مباشر، لا في إطار السجال السياسي فقط.

 

كما أن اتساع أوامر الإخلاء منذ 2 مارس شمل أكثر من 50 بلدة وقرية في الجنوب، قبل أن تتكرر التحذيرات بعدم العودة، وهو ما يزيد من حجم النزوح الداخلي والضغط على بنية خدمية منهكة أصلًا. أي ضربة جديدة لا تعني فقط ارتفاع عدد القتلى، بل تعني أيضًا تهجيرًا جديدًا وفوضى إنسانية أوسع في بلد يعاني من أزمة اقتصادية ومؤسساتية عميقة.

 

خسائر إسرائيلية تكشف صعوبة التوغل وحدود القوة الجوية

 

في مقابل الغارات الكثيفة، بدأ الجيش الإسرائيلي يعترف بخسائر في عملياته داخل لبنان. تقارير إسرائيلية أفادت الأحد بأن الجيش سمّى جنديًا قُتل في القتال بلبنان، في وقت تتحدث فيه المعارك الجارية منذ مطلع مارس عن توغلات برية محدودة واشتباكات مباشرة مع حزب الله، بعد أيام من إعلان إصابة جنود إسرائيليين بنيران مضادة للدروع خلال العمليات جنوب لبنان. الاعتراف بالخسائر، حتى لو جاء تدريجيًا ومحدودًا، يحمل دلالة مهمة: التقدم البري ليس بلا كلفة، وأن حزب الله ما زال قادرًا على إيقاع إصابات مباشرة في القوات المتوغلة.

 

هذا المعنى يتجاوز التفاصيل العسكرية اليومية. إسرائيل تعتمد بقوة على سلاح الجو وعلى أوامر الإخلاء لتوسيع هامش الحركة لقواتها، لكنها حين تدفع بقوات برية إلى الداخل تصطدم بطبيعة الأرض وبالاشتباك المباشر. الباحث هايكو فيمن من مجموعة الأزمات الدولية حذر من أن الانتقال من المناوشات المحدودة إلى مواجهة أوسع يهدد التوازن الهش على الحدود. وما يجري الآن يشير إلى أن هذا التوازن انهار بالفعل، لأن الجانبين لم يعودا يتعاملان مع الجبهة باعتبارها مسرح رسائل متبادلة، بل كساحة حرب فعلية تتسع من يوم إلى آخر.

 

واللافت أن التصعيد العسكري الحالي بدأ منذ 2 مارس، عندما أرسل الجيش الإسرائيلي قوات إضافية إلى الجنوب، وأصدر أوامر إخلاء لعشرات البلدات، بالتوازي مع غارات على بيروت ومناطق أخرى في لبنان. هذا المسار يوضح أن التوغل البري ليس حادثًا منفصلًا، بل جزء من خطة ضغط أوسع تحاول عبرها إسرائيل فرض معادلة جديدة على الجبهة اللبنانية تحت غطاء الحرب الإقليمية الجارية.

 

الضاحية تحت القصف والدولة اللبنانية أمام عجز مكشوف

 

بالتوازي مع ضربات الجنوب، نفذ الطيران الإسرائيلي غارات متفرقة على الضاحية الجنوبية لبيروت خلال الليل، من دون حصيلة نهائية معلنة حتى وقت إعداد هذا التقرير. مجرد عودة الضاحية إلى دائرة القصف الكثيف يعني أن الحرب لم تعد تدور فقط عند الأطراف. العاصمة نفسها، أو قلبها الجنوبي على الأقل، صار داخل المعادلة العسكرية من جديد. وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن ضربات طالت جنوب لبنان وبيروت معًا، في سياق توسع إقليمي للحرب.

 

الباحث مايكل يونج من مركز كارنيغي للشرق الأوسط يرى أن المقاربة الأمريكية والإسرائيلية تجاه لبنان لم تعد محكومة فقط بمنطق الردع، بل باتت أقرب إلى فرض وقائع قسرية على الدولة اللبنانية تحت ضغط النار والتهديد السياسي. هذا التقدير ينسجم مع المشهد الحالي: بلد يُقصف في الجنوب، وتُضرب ضاحيته، وتُفرض عليه أوامر إخلاء واسعة، فيما تبدو مؤسساته عاجزة عن حماية المدنيين أو انتزاع مسار سياسي يوقف الانحدار.

 

الخلاصة أن مشهد الأحد لا يمكن اختزاله في رقم الضحايا أو في إعلان إسرائيلي عن قتلى في صفوف الجيش. الصورة الأوسع تقول إن لبنان دخل مرحلة أكثر خطورة: 19 قتيلًا و5 مصابين في ليلة واحدة، بلدات جنوبية تحت القصف، الضاحية الجنوبية في مرمى النار، ونزوح متزايد مع كل إنذار وغارة. هذه ليست جبهة قابلة للاحتواء السريع، بل حرب تتقدم على أرض رخوة، فيما المدنيون اللبنانيون يدفعون الثمن الأكبر، والدولة تقف مرة أخرى في موقع المتلقي العاجز لا الفاعل القادر على الحماية أو الردع.