أعلن دونالد ترامب قبل انتهاء الهدنة المعلنة في 8 أبريل تمديدًا أحاديًا مفتوح المدة للتهدئة مع إيران، بعد أيام من تهديدات أمريكية جديدة باستئناف الهجمات على منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية.
هذا التراجع لم يصدر عن موقع قوة مستقرة كما حاول البيت الأبيض تسويقه، بل جاء بعد تعثر مسار إسلام آباد، وغياب رد إيراني موحد وفق الرواية الأمريكية، واستمرار أزمة مضيق هرمز بما جعل الإدارة الأمريكية أمام مشهد عسكري وسياسي واقتصادي أكثر تعقيدًا من خطابها المعلن. وما جرى في 22 أبريل و23 أبريل لم ينه المواجهة، بل أثبت أن واشنطن مددت هدنة لا تملك أدوات تثبيتها كاملة، وأنها أبقت في الوقت نفسه على حصار بحري تعتبره طهران عدوانًا مستمرًا، وهو ما حوّل التمديد إلى محاولة لشراء وقت سياسي بعد حرب استنزفت الهيبة الأمريكية أكثر مما حققت حسمًا واضحًا على الأرض.
في المقابل لم تمنح طهران هذا التمديد أي قيمة سياسية حقيقية، إذ واصلت مؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية نفي وجود انقسام داخلي يفسر التوقف عن التفاوض، وأكدت أن الموقف الإيراني موحد في مواجهة ما تصفه بالأطماع الأمريكية. ثم جاء الرد العملي سريعًا في مضيق هرمز باحتجاز سفينتين تجاريتين وإطلاق النار على سفن أخرى وفق تقارير دولية، بينما استمرت الولايات المتحدة في تطبيق الحصار على الملاحة المرتبطة بإيران.
لذلك بدا المشهد في جوهره أبعد من مجرد هدنة مؤجلة الانفجار، لأن الطرفين أبقيا عناصر الاشتباك قائمة كما هي، ولأن ترامب تراجع مرة أخرى عن تهديداته القصوى من دون أن ينتزع اتفاقًا نهائيًا أو يفرض استئنافًا مضمونًا للمفاوضات. وهذا ما يجعل التمديد الحالي علامة على مأزق أمريكي مزدوج، إذ أخفقت واشنطن في فرض تسوية سريعة، وأخفقت كذلك في إنهاء أدوات الضغط الإيرانية في البحر وفي سوق الطاقة وفي مسار التفاوض نفسه.
تراجع ترامب تحت ضغط التعثر وفشل فرض الإيقاع
جاء قرار التمديد بعدما أعلن ترامب أنه يوقف الهجمات الأمريكية إلى أن تنتهي المناقشات بالموافقة أو الرفض، وقال البيت الأبيض بعد ذلك إن الإدارة تنتظر ردًا إيرانيًا موحدًا على مقترحاتها. هذه الصياغة كشفت أن واشنطن لم تتلق ما يسمح لها بادعاء اختراق تفاوضي، وأن التمديد لم يكن ثمرة اتفاق مكتمل، بل نتيجة فراغ سياسي فُرض على الإدارة الأمريكية في اللحظة الأخيرة.
ثم أكدت رويترز في 23 أبريل أن وضع الهدنة نفسها ظل غير واضح، وأنه لا توجد مؤشرات على استئناف المحادثات، بعد جولة أولى في إسلام آباد لم تُنتج اتفاقًا بين الطرفين. كما أوضحت أن واشنطن تصر على تخلي إيران عن تخصيب اليورانيوم، بينما تربط طهران أي تسوية برفع العقوبات والتعويضات والاعتراف بسيطرتها على المضيق، وهو ما يفسر سبب لجوء ترامب إلى التمديد بدل الحسم.
وفي هذا السياق قال جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إن الرئيس الأمريكي حاصر نفسه بخطابه المبالغ فيه، لأن كلفة تنفيذ تهديداته الشاملة كانت ستكون هائلة. أهمية هذا التقدير أنه يربط التراجع الأمريكي ليس بالرغبة في السلام، بل بعجز سياسي عن تحويل التهديدات القصوى إلى فعل قابل للتحمل داخليًا وخارجيًا.
وبسبب هذا المأزق ظهر التمديد كخطوة اضطرارية أكثر منه مبادرة محسوبة، خصوصًا أن ترامب سبق أن تراجع في 8 أبريل قبل ساعات من موعد تصعيد سابق كان قد لوح فيه بانهيار حضارة كاملة إذا لم تُقبل شروطه. هذا التكرار أضعف قدرة البيت الأبيض على استخدام التهديد بوصفه أداة تفاوض حاسمة، وأظهر حدود القوة الأمريكية حين تصطدم بكلفة التنفيذ الفعلي.
هدنة معلقة بينما الحصار والاشتباك مستمران في المضيق
لكن التمديد لم يغير جوهر الميدان البحري، لأن الولايات المتحدة أبقت حصارها على الملاحة الإيرانية والموانئ المرتبطة بها، بينما شددت إيران قبضتها على مضيق هرمز واحتجزت في 22 أبريل سفينتين للحاويات هما إم إس سي فرانشيسكا وإبامينونداس بعد اتهامهما بمخالفات بحرية والتلاعب بأنظمة الملاحة. كما تعرضت 3 سفن على الأقل لإطلاق نار في اليوم نفسه، ما أكد أن الممر لم يعد آمنًا رغم الحديث الأمريكي عن الهدنة.
ثم أوضحت رويترز أن هذا الاحتجاز جاء بعد إعلان ترامب وقف الهجمات من طرف واحد، وأن إيران اعتبرت استمرار الحصار الأمريكي خرقًا فاضحًا للهدنة يمنع إعادة فتح المضيق. كما أدى هذا التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، لأن المضيق كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ولأن حركة السفن فيه تراجعت بشدة مع تصاعد الخطر.
وفي هذا الإطار قالت دانا سترول، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية والزميلة في معهد واشنطن، إن الحصار البحري عملية عسكرية كبيرة ومفتوحة الأجل، وإن تنفيذها منفردًا يصعب استدامته على المدى المتوسط والطويل. هذا التقدير ينسف الرواية الأمريكية التي قدمت الحصار باعتباره أداة ضغط سريعة، ويؤكد أن واشنطن دخلت مسارًا مكلفًا لا تضمن التحكم بنتداعياته.
كما حذرت نعوم ريدان، الزميلة البارزة في معهد واشنطن، من أن فاعلية الحصار لا يمكن الجزم بها سريعًا لأن جزءًا من السفن العاملة مع النفط الإيراني يختفي من أنظمة التتبع، وأضافت أن نجاح الحصار واستمراره سيقابله على الأرجح رد إيراني. أهمية هذا التحذير أنه يثبت أن المعركة في المضيق لم تُحسم، وأن واشنطن تراهن على أداة قد تُنتج تصعيدًا أوسع بدل أن تفرض تسوية.
استنزاف السلاح الأمريكي يفسر المهلة ولا ينهي خطر الحرب
في الوقت نفسه تكشف المعطيات العسكرية أن قرار التمديد لا ينفصل عن كلفة الحرب على المخزون الأمريكي من السلاح والقدرة على إدارة جبهات أخرى. فقد ذكرت رويترز في 16 أبريل أن الحرب المستمرة منذ 28 فبراير بدأت تضغط على إمدادات الولايات المتحدة من الأسلحة والذخائر الحيوية إلى درجة دفعت واشنطن إلى إبلاغ دول أوروبية باحتمال تأخير تسليمات متعاقد عليها سابقًا بسبب الحاجة إلى هذه الأسلحة في الشرق الأوسط.
ثم أضافت رويترز أن هذه التأخيرات طالت دولًا في منطقة البلطيق وإسكندنافيا، وأن مسؤولين أوروبيين اشتكوا من أن السحب الأمريكي من المخزون يضع جاهزيتهم الدفاعية في موقف أصعب. هذا التطور لا يتعلق بحسابات لوجستية ضيقة، بل يكشف أن الحرب على إيران تجاوزت إطارها الإقليمي، وبدأت تمس قدرة واشنطن على الوفاء بالتزاماتها العسكرية تجاه حلفاء آخرين.
وبالتوازي مع ذلك كشفت رويترز في 22 أبريل أن الجيش الأمريكي أدخل في الأسابيع الأخيرة تقنية أوكرانية مضادة للطائرات المسيرة إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية بعد تعرضها لهجمات إيرانية. كما أوضحت أن هذه الخطوة تعكس ثغرات قائمة في الدفاعات الأمريكية أمام الطائرات المسيرة والصواريخ، وأن واشنطن اضطرت إلى الاستعانة بخبرة ميدانية اكتسبتها كييف في حربها مع روسيا لتعويض هذا القصور.
ولذلك لا يبدو التمديد الأمريكي خطوة تهدئة مستقلة عن المأزق العسكري، بل جزءًا من محاولة لإبطاء الاستنزاف وإعادة تنظيم الكلفة بعد 39 يومًا من الحرب وتعطيل الشحن وارتفاع أسعار الطاقة. وعندما تجمع الإدارة بين تمديد هدنة من طرف واحد وبين استمرار الحصار والتجهيزات في السعودية، فإنها عمليًا تؤجل الانفجار ولا تعالج أسبابه، وتقر ضمنًا بأن العودة الفورية إلى الحرب الكاملة ليست خيارًا منخفض الكلفة.
وهنا تتضح الخلاصة التي حاول البيت الأبيض تغطيتها بخطاب عن منح إيران وقتًا إضافيًا. ترامب لم ينتزع اتفاقًا، ولم يضمن استئناف التفاوض، ولم يرفع الحصار، ولم يوقف الاشتباك في هرمز، بل مدّد هدنة مضطربة لأن الحرب كشفت حدود الاندفاع الأمريكي في البحر وفي السماء وفي سوق السلاح. وبينما تصر واشنطن على تصوير التراجع باعتباره مناورة تفاوضية، فإن الوقائع الأحدث تقول إن التمديد جاء بعد تعثر سياسي وكلفة عسكرية متزايدة، وإن المواجهة ما زالت مفتوحة على جولة جديدة ما دام أصل النزاع قائمًا وما دامت الإدارة الأمريكية تتمسك بسياسة الضغط القصوى من دون قدرة على فرض نهاية نظيفة لها.

