كشفت الضربات التي طالت مخازن الوقود والنفط في إيران أن الحرب لم تعد محصورة في المواقع النووية أو الصاروخية، بل انتقلت إلى ضرب البنية التي تُبقي الدولة واقفة يوميًا: الوقود، والنقل، والإمداد الداخلي. المؤكد من المصادر العلنية حتى الآن أن إسرائيل نفذت خلال الأيام الأخيرة ضربات مباشرة على مواقع تخزين وقود رئيسية في طهران ومحيطها، ضمن حملة أمريكية إسرائيلية أوسع على إيران، بينما لا توجد إفصاحات علنية كافية تثبت أن القوات الأمريكية نفذت بنفسها كل ضربة طالت تلك المخازن تحديدًا. لكن النتيجة السياسية والاقتصادية واحدة: واشنطن شريكة في الحرب، وإسرائيل تتقدم إلى استهداف عصب الطاقة الإيراني، ولو على حساب المدنيين والاقتصاد الإقليمي معًا.

 

ما جرى في طهران لم يكن ضربة رمزية. تقارير دولية تحدثت عن استهداف منشآت تخزين وقود كبرى في العاصمة الإيرانية وفي كرج المجاورة، مع اندلاع حرائق كثيفة وارتفاع سحب دخان سامة فوق المدينة وتحذيرات من أمطار حمضية ونقص في الوقود وإغلاق بعض المحطات. هذا يعني أن الحرب خرجت من منطق “الضغط العسكري المحدود” إلى منطق إنهاك الحياة اليومية، وهو تطور لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رسالة ردع. إنه توسيع مباشر لمسرح الاستهداف إلى منشآت تمس ملايين المدنيين، حتى لو بررت إسرائيل ذلك بادعاء ارتباط بعض المواقع بالحرس الثوري أو الإمداد العسكري.

 

النفط صار هدفًا مباشرًا لا أثرًا جانبيًا

 

الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مخازن الوقود في طهران وكرج بدت تحولًا نوعيًا في بنك الأهداف. مجلة Time نقلت أن الجيش الإسرائيلي قال إن المواقع المستهدفة كانت مرتبطة بتوزيع الوقود للحرس الثوري، بينما وصفت فايننشال تايمز هذه الهجمات بأنها من أخطر الضربات التي طالت أهدافًا صناعية مدنية منذ بداية الحرب، بعدما تسببت في تلوث هوائي حاد ونقص في البنزين وتعطيل داخل العاصمة الإيرانية. الفارق هنا مهم. حين تنتقل الحرب إلى الوقود، يصبح الهدف ليس فقط إضعاف مؤسسة عسكرية، بل إنهاك مدينة كاملة ودفع السكان إلى دفع ثمن يومي من صحتهم وحركتهم وخوفهم.

 

هذا التحول يعكس أيضًا ما يمكن وصفه بعجز سياسي يتخفى في صورة تفوق عسكري. فبدل أن تقدم واشنطن وتل أبيب مسارًا واضحًا لما بعد الضربات الأولى، جرى توسيع دائرة الأهداف إلى بنية الطاقة نفسها، أي إلى أكثر نقطة حساسة في بلد يخوض حربًا مفتوحة. ومن الناحية العملية، لا يمكن فصل ضرب مخازن الوقود عن محاولة خلق ضغط داخلي في طهران عبر السوق والحياة اليومية والهلع الشعبي، لا عبر الجبهة العسكرية فقط. لذلك فالهجوم على مخازن النفط ليس مجرد تفصيل ميداني، بل مؤشر على أن الحرب دخلت مرحلة العقاب الاقتصادي المباشر.

 

الخبير العسكري فابيان هينز من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يلفت الانتباه إلى أن استهداف البنية اللوجستية للطاقة لا يساوي فقط تدمير خزانات أو حرائق عابرة، بل يضرب قدرة الدولة على الحركة الداخلية والإمداد والنقل والتشغيل تحت الحرب. وهذه ملاحظة مهمة، لأن كثيرًا من الخطاب الإسرائيلي يختزل الضربة في بعدها “التكتيكي”، بينما أثرها الفعلي أوسع بكثير ويمتد إلى قدرة المدن على العمل، وقدرة السكان على الاحتمال، وقدرة النظام نفسه على إدارة الجبهة الداخلية.

 

واشنطن شريك في الحرب ولو لم تعلن كل ضغطة زر

 

البيت الأبيض حاول في بعض الرسائل أن يترك انطباعًا بأنه لا يريد توسيع الحرب إلى استهداف الطاقة الإيرانية على نحو منفلت، لكن الوقائع على الأرض لا تمنح هذا الترف السياسي. ABC News وCBS تحدثتا عن حملة أمريكية إسرائيلية مشتركة طالت قرابة 2,000 هدف في إيران منذ 28/2/2026، من مواقع نووية وصاروخية إلى مؤسسات سياسية وأمنية. وفي هذا السياق الأوسع، فإن ضرب مخازن الوقود الإسرائيلية لا يمكن عزله عن الغطاء العسكري والسياسي الأمريكي للحرب، حتى إذا لم تُعلن واشنطن مسؤوليتها المباشرة عن كل موقع نفطي اشتعلت فيه النيران. هنا تسقط الحجة المعتادة: من يقود الحرب ثم يتظاهر بأنه خارج بعض نتائجها، لا يصبح أقل مسؤولية.

 

المشكلة أن هذا النمط من الإدارة يرفع كلفة الحرب من دون أن يوضح سقفها. فواشنطن لم تقدم حتى الآن تصورًا علنيًا مقنعًا عن حدود الاستهداف، ولا عن كيفية منع انزلاق الضربات على الطاقة إلى موجة أوسع تضرب أسواق النفط والإمدادات العالمية. وفي اللحظة التي تحترق فيها مخازن الوقود فوق طهران، ويتحول الدخان إلى أزمة صحية يومية، يصبح الحديث الأمريكي عن “النجاح في إضعاف إيران” صيغة مكلفة أخلاقيًا وسياسيًا، لأن ما يُضعف هنا ليس فقط مؤسسة عسكرية، بل بنية مدنية حيوية تخص سكان مدينة كاملة.

 

وتقول هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع في RBC Capital Markets، إن الخطر الحقيقي لا يقف عند حدود الضربة نفسها، بل في رد الفعل الإيراني إذا شعرت طهران أن استهداف الطاقة يمس بقاء الدولة. في هذه الحالة، يصبح تهديد البنية النفطية في الخليج أو تعطيل مسارات الإمداد الإقليمية احتمالًا جديًا، لا مجرد ورقة دعائية. أهمية هذا التقدير أنه يوضح أن استهداف المخازن الإيرانية لا يضغط على طهران وحدها، بل يفتح الباب أمام تعميم الحرب على كل سوق الطاقة في المنطقة.

 

الأسعار ترتفع والمدنيون يدفعون الثمن

 

الأثر الاقتصادي لم يتأخر. AP وThe Guardian ووسائل أخرى أشارت إلى صعود أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل مع تصاعد الحرب واتساع المخاوف على الإمدادات ومسارات العبور الحيوية. وفي الوقت نفسه، تحدثت فايننشال تايمز عن تقنين في بيع الوقود داخل طهران ومحاولات لتهدئة السوق بعد استهداف مواقع التخزين الكبرى. هذه الحلقة مألوفة في كل حرب طاقة: ضربة على المخازن تتحول إلى نقص محلي، ثم إلى ذعر استهلاكي، ثم إلى قفزة في الأسعار، ثم إلى ضغط إقليمي ودولي أوسع. الفرق هذه المرة أن الجميع كان يعرف مسبقًا أن ضرب الوقود الإيراني سيدفع في هذا الاتجاه، ومع ذلك مضت تل أبيب وواشنطن في الطريق نفسه.

 

مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول حاول تهدئة السوق بالقول إن هناك “وفرة من النفط” ولا حاجة فورية حتى الآن إلى السحب من الاحتياطي الاستراتيجي، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى اجتماعات طارئة لمتابعة تداعيات الحرب على أمن الطاقة. هذا الموقف يعكس حقيقتين معًا: الأولى أن الأسواق لم تنهَر بالكامل بعد، والثانية أن القلق بلغ مستوى يجبر المؤسسات الدولية على التحرك الاستثنائي. ومعنى ذلك ببساطة أن استهداف مخازن النفط الإيرانية ليس ضربة يمكن احتواؤها بسهولة، بل خطوة تحمل قابلية عالية للتمدد الاقتصادي والسياسي.

 

وفي النهاية فإن استهداف مخازن النفط الإيرانية كشف شيئًا أعمق من مجرد تصعيد عسكري. كشف أن إسرائيل اختارت نقل الحرب إلى مستوى يضرب معيشة الإيرانيين مباشرة، وأن الولايات المتحدة وفرت المظلة السياسية والعسكرية لهذا المسار، ثم تركت المنطقة تواجه نتائجه المفتوحة. هذا ليس ردعًا نظيفًا، ولا عملية جراحية محدودة. هذا استخدام مباشر للطاقة كسلاح حرب. وحين تتحول مخازن الوقود إلى أهداف، تصبح المنطقة كلها مشروع أزمة أطول، وأسواق العالم رهينة قرار عسكري قصير النظر، يدفع ثمنه في النهاية المدنيون أولًا.