كشفَ الجدل المتجدد حول نية الحكومة فرض رسوم وقائية طويلة الأجل على واردات البليت أن الدولة لا تدير ملف الحديد برؤية صناعية متماسكة، بل تنتقل من قرار مؤقت إلى آخر تحت ضغط جماعات مصالح متصارعة، فيما يدفع السوق والمستهلك الثمن. المؤكد رسميًا حتى الآن أن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية فرضت منذ 14/9/2025 رسومًا وقائية مؤقتة على واردات البليت بنسبة 16.2% وبحد أدنى 4613 جنيهًا للطن لمدة 200 يوم، أي حتى مطلع 4/2026 تقريبًا، بينما تتداول السوق أنباء عن اتجاه لرسوم جديدة قرب 13% لمدة 3 سنوات. وحتى هذه اللحظة، تبدو الرسوم الطويلة الأجل محل دراسة ونقاش أكثر منها قرارًا نهائيًا معلنًا.

 

المشكلة أن الحكومة تطرح القرار باعتباره دفاعًا عن الصناعة الوطنية، في وقت لا يوجد فيه إجماع صناعي أصلًا على أن هذا هو العلاج الصحيح. فالسوق منقسم بحدة بين مصانع متكاملة تريد الحماية من الواردات، ومصانع درفلة وصناعات معدنية ترى أن الرسوم سترفع التكلفة وتخنق الإنتاج وتضرب القدرة التنافسية. وبذلك تتحول الدولة من حكم بين أطراف الصناعة إلى طرف منحاز في صراعها، من دون أن تقدم للرأي العام أثرًا واضحًا على الأسعار أو الاستثمار أو الصناعات المرتبطة بالحديد.

 

الحكومة تعالج أزمة صناعة بقرار يهدد صناعات أخرى

 

الخطاب الرسمي يستند إلى أرقام تقول إن واردات البليت قفزت بقوة خلال السنوات الأخيرة، وإن الزيادة الحادة سببت ضررًا للصناعة المحلية، وهو ما استخدمته الحكومة أصلًا لتبرير التدابير المؤقتة في 9/2025. بعض التقديرات المنشورة استندت إلى نمو واردات البليت بنسبة 227% في 2024، وإلى شكاوى تقدمت بها شركات محلية تطالب بإعادة الحماية، مع الحديث عن استيراد نحو 900 ألف طن خلال أول 5 شهور من 2025. لكن الحكومة هنا تتصرف وكأن زيادة الواردات وحدها دليل كافٍ على صحة فرض الرسوم، متجاهلة أن جزءًا من هذه الواردات يذهب إلى مصانع تحتاج خامًا غير متوافر محليًا بالمواصفات أو الكميات المطلوبة.

 

المهندس بهاء ديمتري عبّر عن هذا الاعتراض بوضوح، إذ قال إن فرض رسوم على البليت يهدد صناعات حيوية لأن هذه الخامة لا تدخل فقط في حديد التسليح، بل في الأجهزة والمعادن وقطاعات صناعية أخرى، محذرًا من أن القرار قد يرفع الأسعار ويصعب التوريد ويضر بجودة بعض المنتجات، خصوصًا تلك الموجهة للتصدير إلى أوروبا والدول العربية. أهمية هذا الرأي أنه لا يرفض القرار من زاوية تجارية ضيقة فقط، بل يضعه في سياق أوسع: هل تحمي الحكومة مصنعًا واحدًا على حساب سلسلة صناعية كاملة؟

 

هذا هو المأزق الحقيقي. لأن البليت ليس سلعة استهلاكية معزولة يمكن رفع سعرها ثم احتواء الأثر. هو مدخل إنتاج أساسي. وأي زيادة في تكلفته ستتسرب سريعًا إلى الحديد، ثم إلى الصناعات المعدنية، ثم إلى الأجهزة وقطع الغيار والسيارات وبعض الصناعات التصديرية. لذلك يبدو القرار، بصيغته المطروحة، أقرب إلى فرض تكلفة جديدة على الصناعة باسم حمايتها، لا إلى بناء سياسة صناعية ذكية توازن بين المنتج المحلي واحتياجات السوق الفعلية.

 

السوق منقسم.. والسلطة تنحاز بدل أن تنظم

 

في المقابل، هناك معسكر صناعي يضغط في الاتجاه المعاكس تمامًا. محمد حنفي، المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية، قال إن شركات حديد مصرية تقدمت للحكومة بطلبات لإعادة فرض رسوم حماية على واردات البليت، معتبرًا أن هذه الخطوة تستهدف حماية صناعة الصلب المحلية، خصوصًا المصانع المتكاملة التي ترى أنها تواجه منافسة غير عادلة من الواردات ومن مصانع الدرفلة التي تعتمد على الخام المستورد. كما أشار إلى أن توسعات القطاع، ومنها رخص جديدة بطاقة 8.3 مليون طن سنويًا واستثمارات بنحو 7 مليارات جنيه، تجعل مطلب الحماية أكثر إلحاحًا من وجهة نظر المنتجين الكبار.

 

لكن المشكلة أن الدولة لا تقدم نفسها هنا كمنظم محايد للسوق، بل كجهة تستجيب لمطالب فريق بعينه داخل الصناعة. والأخطر أنها تفعل ذلك من دون أن تشرح بوضوح كيف ستمنع انتقال كلفة الحماية إلى المستهلك النهائي. الخبرة السابقة في سوق الحديد تقول إن أي رسوم جديدة لا تبقى على الورق. الشركات ترفع الأسعار بسرعة. والقطاعات المرتبطة، وعلى رأسها العقارات والإنشاءات، تعيد تحميل الزيادة على المشترين. وهكذا تتحول “حماية الصناعة” إلى فاتورة يدفعها المواطن والمقاول والمطور العقاري، بينما تحتفظ الحكومة بخطابها المريح عن دعم الإنتاج الوطني.

 

اللافت أيضًا أن السوق نفسها لم تعد واثقة في اتجاه الحكومة. فالتقارير التي تحدثت عن رسوم 13% لمدة 3 سنوات لم تأت من إعلان حكومي نهائي واضح، بل من تسريبات ومصادر مطلعة. هذا الارتباك يخلق مناخًا ضارًا للاستثمار. المستثمر لا يعرف هل ستستمر رسوم 16.2% كما هي، أم ستُخفض، أم ستُمدد، أم ستعاد صياغتها. وحين تصبح القرارات التجارية الكبرى معلقة بين الشائعات والتسريبات والضغوط القطاعية، فإن الرسالة إلى السوق لا تكون “نحن نحمي الصناعة”، بل “نحن نغير القواعد تحت الضغط”.

 

المستهلك سيدفع أولًا.. والاستثمار قد يدفع ثانيًا

 

المهندس إسلام طارق الجيوشي قدم زاوية أكثر توازنًا لكنها لا تقل خطورة، إذ قال إنه يتفهم هدف القرار في حماية الصناعة الوطنية، لكنه تحفظ بشدة على توقيته، محذرًا من أن تطبيق الرسوم بهذه الصورة قد ينعكس سلبًا على المصانع والمستهلكين معًا. هذا التحفظ مهم لأنه يصدر من داخل القطاع نفسه، لا من خارجه. أي أن حتى من لا يرفضون الحماية من حيث المبدأ، يرون أن توقيتها وآليتها قد تكونان خاطئتين ومكلفتين.

 

وهنا تظهر المسؤولية السياسية المباشرة للحكومة. لأنها لا تواجه فقط مسألة فنية تخص خام الحديد، بل سؤالًا اقتصاديًا أوسع: كيف تدير دولة تعاني أصلًا من ضغوط سعر الصرف وتكلفة الإنتاج وركود بعض القطاعات قرارًا قد يرفع كلفة الحديد والمنتجات المعدنية دفعة جديدة؟ في بلد يعاني سوقه العقاري من تباطؤ نسبي، وتواجه صناعاته التصديرية ضغوطًا تنافسية، لا يبدو فرض رسوم جديدة على مدخل إنتاج أساسي قرارًا خاليًا من الخسائر الجانبية.

 

الخلاصة أن أزمة البليت ليست مجرد خلاف بين مستوردين ومنتجين. هي اختبار لكيفية صنع القرار الاقتصادي في مصر. والحكومة، بدل أن تقدم سياسة صناعية متوازنة وشفافة، تبدو وكأنها تدير الملف بمنطق الاستجابة لأعلى صوت في السوق. وإذا مضت في رسوم طويلة الأجل من دون خريطة واضحة لحماية المصانع المتضررة والمستهلكين معًا، فإنها لن تكون قد حمت الصناعة الوطنية بقدر ما تكون قد نقلت أزمة الحديد من بوابة الاستيراد إلى قلب السوق المحلي كله.