عرفان أحمد
بروفيسور الأنثروبولوجيا بجامعة ابن خلدون
هناك عدة مقاربات تبدو ضرورية لفهم طبيعة وكنه العدوان السافر الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة بشكل مشترك على إيران 28 فبراير 2026، من بينها تحليل ردود فعل من يطلق عليهم حماة النظام العالمي القائم على القواعد والأصول القانونية.
فإذا ما نظرنا إلى ردود الفعل تجاه مذبحة 165 تلميذة بريئة وإصابة العشرات في مدرسة ميناب، فقد جاءت باردة ولم تثر غضبا يُذكر في الحيز العام الغربي، حتى بين من ينصبون أنفسهم مدافعين عن حقوق النساء والأطفال.
ردود فعل كندا وألمانيا
تظهر مواقف وتعقيبات دول مثل كندا، وألمانيا على الضربات الجوية العنيفة والقاتلة على إيران ملامح ماضي وحاضر ومستقبل النظام وبالأحرى (اللانظام) الدولي الذي أرسته القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
فبدلا من إدانة العدوان الإسرائيلي الأمريكي على طهران باعتباره انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة، بادرت تلك الدول إلى دعمه.
لننظر إلى حالة كندا، "القوة المتوسطة"! ففي بيان أدلى به خلال زيارته للهند، قال رئيس الوزراء، مارك كارني: "تدعم كندا تحرك الولايات المتحدة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، ومنع نظامها من تهديد السلم والأمن الدوليين بشكل أكبر"، وأضاف في السياق نفسه: "نؤكد مجددا حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
وعلى المنوال ذاته، أعلن المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، دعم بلاده للهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. بيد أنه قبل أسابيع فقط، تصدرت خطابات كل من كارني وميرتس عناوين الأخبار في العالم الغربي، حيث أشيد بهما باعتبارهما حاميَين للنظام الدولي.
فقد وصف الكاتب والدبلوماسي الكندي السابق جيريمي كينسمان، خطاب كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (يناير 2026) بأنه "الخطاب الأكثر تأثيرا في الشؤون العالمية".
لكن السؤال الجوهري: ما هو التأثير الحقيقي لذلك الخطاب؟ فرغم أن الكثيرين أشادوا بخطاب كارني باعتباره احتجاجا صارما من "قوة متوسطة" مثل كندا ضد القوة العظمى الوحيدة، فإنه في أحسن الأحوال يمكن وصفه بأنه شكوى بلا قيمة أو تأثير من قوة متوسطة، جاءت بعد أن تلقت إهانة من الولايات المتحدة. كما أن كارني، لم يجرؤ في ثنايا خطابه على التفوّه بكلمات مثل غزة، أو فلسطين، أو الإبادة الجماعية.
مع ذلك، تمت الإشارة لأوكرانيا في خطاب كارني، الذي وصف كندا بأنها "عضو أساسي في تحالف الراغبين".
وعند تحليل الخطاب من منظور تاريخي طويل الأمد، مع التركيز على العدالة كقيمة لا تقبل المساومة، بدا أن خطابه، الذي تناول ما يسمى بالقوة المتوسطة، لا يقع في المنتصف بين العدالة والظلم، بل في المنتصف بين شكل من أشكال الظلم وآخر.
فعلى الرغم من الإبادة الجماعية للفلسطينيين على يد إسرائيل، فإن كندا زودت إسرائيل بالأسلحة ودعمت ماليا مستوطناتها الاستعمارية على أراضي الفلسطينيين. والأهم من ذلك- كما يشير الباحث جيريمي وايلدمان- أن كندا دعمت إسرائيل دبلوماسيا.
أما فيما يتعلق بموقف ألمانيا! فإنه يثير تساؤلا أساسيا: ماذا يعني تصريح المستشار الألماني في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2026 بأن النظام العالمي القائم على القواعد "لم يعد موجودا"، في ظل دعمه العلني للحرب غير المبررة ضد إيران؟
فإن كان الأمر غامضا للبعض سابقا، فقد بات جليا للجميع الآن أن ما يهم القوى الغربية ليس العالم بأسره، بل التوترات الأخيرة داخل "القواعد" التي ضمنت هيمنتها.
إن التوتر في العلاقات الأوروبية الأمريكية إنما يتعلق بالحرب الأوكرانية الروسية، أو التصرفات العدوانية الأمريكية تجاه كندا، وغرينلاند، لكن في المقابل لا نلحظ توترا يذكر بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة فيما يخصّ الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بدعم غربي ضد الفلسطينيين، أو بالهجوم المستمر على إيران.
تصعيد إقليمي بدون شرعية
من الواضح أن للهجوم على إيران تداعيات إقليمية. ويكشف تحليل دقيق للواقع على الأرض أن إيران، في ردها العسكري، استهدفت أصولا ومنشآت حيوية داخل دول الخليج، على الرغم من أن هذه الأصول لم تستخدم فعليا كمنصات انطلاق للهجمات على إيران.
إن الهجمات الإيرانية على دول الخليج لا تلتزم بمبدأي الضرورة والتناسب في النزاعات المسلحة، ولا يمكن اعتبارها أعمالا مشروعة للدفاع عن النفس. بل إنها قد تشكل عدوانا مسلحا على دول ذات سيادة.
ويمثل استهداف المناطق المدنية والبنى التحتية الاقتصادية في الخليج انتهاكا جسيما لمبدأ التمييز المنصوص عليه في المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.
ويمكن اعتبار هذه الهجمات "هجمات عشوائية" محظورة، مما يمنح الدول المتضررة الحق في ممارسة حق الدفاع عن النفس، بشكل فردي أو جماعي، بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
علاوة على ذلك، تخالف هذه الاعتداءات قواعد "الحياد" الراسخة في القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1907، التي تنص على حرمة الأراضي المحايدة وتحظر تحويلها إلى مسرح للأعمال العدائية.
ونظرا لأن دول الخليج قد أعلنت رسميا- وبشكل قاطع عدم مشاركتها في أي عمليات عسكرية ضد إيران، ورفضها السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي كمنصات للعدوان- فإن إصرار طهران على نقل مسرح الصراع إلى هذه الدول يشكل خرقا للمادة (4/2) من ميثاق الأمم المتحدة.
لا يمكن تبرير التذرع بالدفاع عن النفس قانونيا عند استهداف أطراف اختارت الحياد، وسعت إلى خفض التصعيد؛ فمثل هذا السلوك الإيراني يقوض نظام الأمن الجماعي بشكل مباشر، ويمهد الطريق نحو زعزعة الاستقرار الإقليمي والعالمي.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الإمبراطورية الغربية، ولا سيما الإمبريالية البريطانية، اعتمدت على منطق "فرق تسد". وقد أكد عالم السياسة محمود ممداني، في معرض حديثه عن الاستعمار وآثاره المستمرة، على الآلية المرتبطة به، وهي "التحديد والحكم".
التفكير البديل في النظام (اللانظام) العالمي
لو ضعنا هذه الانتهاكات في سياقها القانوني الدقيق، فإن ردود فعل كندا وألمانيا، تبقى منافقة، إذ "احتجاج" كارني وميرتس ليس إلا تنافسا بين القوى الغربية على الهيمنة.
فهذه القوى تتحد- كما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو- لبناء "قرن غربي جديد" قائم على روابط "حضارية" بين أوروبا والولايات المتحدة.
ويتضح من تعريف روبيو للحضارة الغربية- بأنها "مشكّلة عبر قرون من التاريخ المشترك، والإيمان المسيحي، والثقافة، والتراث، واللغة، والأصل"- أن هذا المفهوم يستند إلى المسيحية، بل وتفوقها.
مع ذلك، إذا ما حللنا مفهوم الغرب بدقة، فسنجد أنه يُستخدم غالبا كمرادف للعرق "الأبيض". فالغرب- بالنسبة لشاعر الإمبراطورية البريطانية، روديارد كيبلينغ- يمثل النقيض الأول لآسيا، ثمّ امتد هذا النقيض خلال الحرب الباردة ليشمل العالم بأسره، والذي يشار إليه الآن بـ"الجنوب العالمي" الفضفاض.
لكن منذ الحرب العالمية على الإرهاب، بات يُنظر إلى النقيض في الغرب غالبا أنه الإسلام أو الإرهاب، حتى باتا مترادفين بشكل وثيق. وهنا لا ننسى أن إدارة ترمب أعلنت في عام 2017 أن سياسة مكافحة التطرف ستركز حصرا على الإسلام.
إن العدوان على إيران، وحجم الدمار الهائل الذي لحق بشعبها ومواردها وبنيتها التحتية، بما في ذلك القتل الشنيع لتلميذات المدارس البريئات، تظهر كلها الطبيعة الحقيقية للنظام (اللانظام) الدولي، وممارساته، وتكوينه!
في ضوء الموقف التوافقي إلى حد كبير للدول الغربية المؤيدة للعدوان على إيران، يتضح جليا ما يعنيه الاستخدام الانتقائي للنظام الدولي القائم على القواعد من طرف المستشار الألماني.
بالنسبة لمعظم سكان العالم، فإن هذا النظام الدولي تسبب في تجريدهم من إنسانيتهم تماما وفي كارثة بيئية. لقد حان الوقت للتفكير بجدية في نظام عالمي بديل، نظام يعيد إحياء الإنسانية وقيمتها الحقيقية، بتنوعها وشموليتها.

