أعلنت وزارتا الخارجية السورية والمصرية اليوم، عقد مباحثات موسعة بين أسعد الشيباني وبدر عبد العاطي بمشاركة نضال الشعار وخالد الهاشم لبحث العلاقات الثنائية و التعاون الاقتصادي والتجارة والأمن الإقليمي وكانت النتيجة فتح قناة رسمية جديدة بعد أشهر من الحذر المصري تجاه دمشق.
تكشف الزيارة أن القاهرة لم تتحرك نحو سوريا الجديدة إلا بعد حسابات متأخرة فرضها لقاء أحمد الشرع وعبد الفتاح السيسي في نيقوسيا يوم 24 أبريل 2026 بينما كانت دمشق تبحث عن بوابة عربية مؤثرة تكسر العزلة وتفتح مسارا اقتصاديا وسياسيا لا يترك السوريين وحدهم أمام العقوبات والانتهاكات الإسرائيلية.
القاهرة تستقبل الشيباني بعد لقاء قبرص وتتعامل بحذر مع دمشق الجديدة
في البداية جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة وسط اهتمام واسع لأنها أول تحرك بهذا المستوى في اتجاه مصر بعد سقوط النظام السوري السابق وما تبعه من تغيرات سياسية وضعت حكومة أحمد الشرع أمام اختبار الاعتراف العربي وإعادة بناء العلاقات الرسمية.
بعد ذلك عقد الشيباني مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي جلسة مباحثات تناولت تعزيز العلاقات الثنائية ومستجدات الوضع الإقليمي ومسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتطورات لبنان في وقت تؤكد فيه هذه الملفات أن دمشق عادت إلى قلب معادلات المنطقة لا إلى هامشها.
ثم أكدت وزارة الخارجية المصرية أن عبد العاطي شدد خلال اللقاء على رفض الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية وضرورة احترام وحدة أراضي سوريا بينما ظل الخطاب المصري الرسمي حريصا على إظهار دعم السيادة من دون إعلان انتقال سياسي كامل في العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة.
في المقابل قالت وزارة الخارجية السورية إن الشيباني أجرى مباحثات موسعة برفقة وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار مع نظيره المصري ووزير الصناعة خالد الهاشم وتناولت المباحثات التعاون الاقتصادي والتجاري وقضايا الأمن الإقليمي بما يخدم ترسيخ العلاقات بين سوريا ومصر.
وعلى هذا الأساس يرى الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة أن الزيارة جاءت امتدادا لإشارات ظهرت بعد المصافحة المتحفظة بين الشرع والسيسي في قبرص وأن مرافقة نضال الشعار للشيباني ترجح تقدما للبعد الاقتصادي على الطابع السياسي المباشر.
لذلك تبدو القاهرة كأنها تختبر العلاقة الجديدة ببطء شديد لأن الزيارة جاءت بعد لقاء جانبي في نيقوسيا لا بعد مبادرة مصرية واضحة بينما تحتاج سوريا إلى موقف عربي صريح يساند إعادة الإعمار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية ويضغط باتجاه رفع القيود الاقتصادية.
الاقتصاد يتقدم على السياسة ومصر تبحث عن موقع في إعادة الإعمار
من جهة أخرى حملت مشاركة وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار دلالة مباشرة على أن دمشق لا تريد زيارة بروتوكولية فقط بل تسعى إلى فتح مسار تجارة واستثمار وصناعة مع مصر بعد زيارة وفد تجاري مصري إلى دمشق مطلع 2026 ولقائه الرئيس أحمد الشرع.
كما دعا الشرع خلال لقاء الوفد الاقتصادي المصري الشركات المصرية إلى المساهمة في إعمار سوريا والاستثمار في الزراعة والطاقة وهي ملفات تمنح مصر فرصة اقتصادية حقيقية لكنها تكشف أيضا تأخر القاهرة في التحرك بينما تسابقت عواصم أخرى إلى قراءة التحول السوري الجديد.
في هذا السياق يقول الكاتب والباحث المصري محمد ربيع الديهي إن زيارة الشيباني جاءت لتعزيز العلاقات المصرية السورية وسط عدم استقرار إقليمي وتصاعد مؤشرات التصعيد في المنطقة لكنه يؤكد أن المشهد الأساسي للزيارة يتمثل في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الطرفين.
وبناء على ذلك يرى الديهي أن لقاء السيسي بالشرع وزيارة الوفد التجاري المصري إلى سوريا يمثلان مؤشرا على مرحلة جديدة قد تشهد مزيدا من التعاون الاقتصادي مع الشعب السوري بما ينعكس على مسار العلاقات بين البلدين إذا تجاوزت القاهرة سياسة الانتظار.
غير أن هذا التفاؤل الاقتصادي لا يخفي أن الحكومة المصرية تتحرك بمنطق الفرصة المحسوبة لا بمنطق المسؤولية القومية تجاه بلد عربي خرج من حرب طويلة لأن القاهرة تتحدث عن الاستقرار بينما تترك ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار رهينة حسابات إقليمية وعقوبات دولية.
كذلك يفرض ملف العقوبات الدولية على سوريا قيودا عملية أمام أي توسع اقتصادي مصري سريع لأن الشركات والبنوك تحتاج ضمانات واضحة فيما تحتاج دمشق إلى شراكات لا تكتفي بالصور الرسمية ولا تختزل الإعمار في عقود مستقبلية بلا تنفيذ ملموس.
ملفات المنطقة تضغط على الزيارة وحدود كسر الجمود لا تزال قائمة
في الوقت نفسه يربط خبير العلاقات الدولية المصري محمد اليمني الزيارة بالمشهد الإقليمي المعقد ويعتبر أنها جاءت بشكل غير مجدول مسبقا بما يثير أسئلة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى التحولات الجيوسياسية لأن الزيارات المفاجئة تعكس غالبا ملفات عاجلة أو تفاهمات قيد التشكل.
وبحسب اليمني فإن توقيت الزيارة يرتبط بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وبعودة سوريا إلى موقع مهم داخل توازنات المنطقة وهو توقيت يمنح أي تحرك دبلوماسي مع دمشق وزنا مضاعفا ويجعل القاهرة مطالبة بتحديد موقفها لا الاكتفاء بإدارة الحذر.
إلى جانب ذلك يقرأ اليمني الزيارة عبر 3 مستويات تشمل سياقا إقليميا متوترا وعودة تدريجية لسوريا إلى النظام العربي ودبلوماسية رسائل سريعة قد تتصل بوساطات غير معلنة أو تنسيق حول سيناريوهات تصعيد محتملة في المنطقة،ومن ثم تعكس الزيارة رغبة سورية في إعادة التموضع داخل الفضاء العربي والبحث عن دور جديد في معادلة إقليمية متغيرة بينما تحاول مصر تثبيت صورتها كفاعل إقليمي قادر على الوساطة بين أطراف متباينة من دون إعلان انحياز واضح لدمشق الجديدة.
غير أن القيود لا تزال ثقيلة لأن العلاقات بين القاهرة ودمشق بقيت لسنوات في مستوى تواصل محدود ولم تصل إلى تحول نوعي بسبب العقوبات الدولية وتعقيد المشهد الداخلي السوري وحساسية التوازنات الإقليمية التي تضغط على قرار الحكومة المصرية.
و كان الرئيس السوري أحمد الشرع قد زار مصر في مارس 2025 للمشاركة في القمة العربية بعد تلقيه دعوة من الرئيس المصري كما شارك في لقاء جانبي مع السيسي في قبرص يوم 24 أبريل 2026 وهو ما جعل زيارة الشيباني نتيجة سياسية متوقعة لا خطوة منفصلة.
في النهاية تمثل زيارة أسعد الشيباني إلى القاهرة كسرا جزئيا للجمود بين مصر وسوريا لكنها لا تكفي لإعلان تحول استراتيجي لأن الحكومة المصرية ما زالت تتحرك تحت سقف الحذر وتؤجل الاعتراف العملي الكامل بواقع سوري جديد يحتاج دعما سياسيا واقتصاديا واضحا لا بيانات محسوبة.

