أعلنت شركة أدنوك في أبوظبي ضخ عقود ومشروعات بقيمة 200 مليار درهم إماراتي بما يعادل نحو 55 مليار دولار خلال الفترة الممتدة إلى 2028، بعد خروج الإمارات من أوبك في 1 مايو 2026، بما يفتح الطريق أمام رفع الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2027.

 

يكشف هذا التحرك أن حكومة أبوظبي اختارت فك قيد الحصص في لحظة إقليمية مرتبكة، بينما يدفع سكان المنطقة ثمن الحرب حول مضيق هرمز من أسعار الوقود والتأمين والشحن، وتقدم السلطة القرار باعتباره سيادة اقتصادية، رغم أنه يضع النفط فوق أي اعتبار سياسي أو إنساني واضح.

 

التحرر من الحصص يحول الخروج من أوبك إلى توسع إنتاجي مباشر

 

في أبوظبي، وضعت أدنوك إعلان العقود الجديدة في قلب مرحلة ما بعد أوبك، إذ لم يعد القرار خروجًا رمزيًا من منظمة تأسست فيها عضوية الإمارات منذ عام 1967، بل صار انتقالًا معلنًا من الالتزام الجماعي بسقف الإنتاج إلى إدارة منفردة للقدرة النفطية والتصديرية.

 

بعد ذلك، ربطت الشركة بين المشروعات الجديدة وقطاعات الاستكشاف والإنتاج والتكرير والبتروكيماويات، لأن توسيع السلسلة النفطية يمنح أبوظبي قدرة أكبر على تحويل الخام إلى عوائد صناعية، ويقلل اعتمادها على قرارات تحالف كانت حصصه تضغط إنتاج الإمارات قرب 3.4 ملايين برميل يوميًا.

 

لذلك، تبدو خطة الوصول إلى 5 ملايين برميل يوميًا في 2027 كعنوان فعلي للخروج، لا كهدف فني منفصل، لأن أدنوك تقول عمليًا إن استثماراتها لا يمكن أن تبقى محكومة بقرار شهري يصدر من تحالف يوازن بين مصالح الرياض وموسكو وبغداد.

 

وبحسب الباحث جيم كرين في معهد بيكر بجامعة رايس، فإن الإمارات كانت تضيق منذ سنوات بتقدير أوبك لقدرتها وبحصتها داخل التحالف، وهو تقدير يجعل الخروج نتيجة تراكم سياسي واقتصادي، لا انفعالًا طارئًا بعد اجتماع أو خلاف عابر.

 

هنا، تكشف الأرقام جوهر الصدام بين حكومة تريد بيع كل ما تستطيع إنتاجه، ومنظمة تعيش على ضبط المعروض لحماية الأسعار، بينما تبيع أبوظبي خطاب التحرر الاقتصادي كأنه مصلحة عامة، من دون أن تسأل من يدفع تكلفة سباق الإنتاج في الخليج.

 

هرمز المغلق يمنح أبوظبي توقيتًا حادًا لا قرارًا محايدًا

 

في هذا المسار، جاء قرار الانسحاب بعد تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر يمر عبره نحو خمس النفط والغاز عالميًا، ما جعل كل برميل قابل للتصدير أداة ضغط لا مجرد سلعة.

 

ومن زاوية السوق، تصبح زيادة إنتاج أوبك بلس البالغة 188 ألف برميل يوميًا في يونيو 2026 محدودة الأثر، لأن الأزمة ليست في قرار الضخ وحده، بل في طريق الشحن نفسه، حيث تقف السفن بين تحذيرات إيران ومحاولات واشنطن إعادة فتح الممر بالقوة البحرية.

 

غير أن الخبير روبن ميلز، رئيس شركة قمر للطاقة، يربط المسألة بمرحلة أوسع من اضطراب الإمدادات، لأن استهداف أو تعطيل البنية النفطية الإيرانية يخلق آثارًا ممتدة على الخليج كله، ويجعل قرارات الإنتاج الخليجية جزءًا من خريطة الحرب لا من جدول الشركات فقط.

 

بينما تستفيد أدنوك من خطاب الاستقرار الإماراتي، فإن إغلاق هرمز يفضح حدود هذا الخطاب، لأن المستثمر الذي يسمع عن 55 مليار دولار في العقود الجديدة يرى في الوقت نفسه ناقلات عالقة وممرًا عسكريًا متوترًا وأسواقًا آسيوية تبحث عن بدائل عاجلة للخام الخليجي.

 

عند مضيق هرمز، لا يظهر القرار الإماراتي كتحول اقتصادي نظيف، بل كرهان على لحظة فوضى تسمح بإعادة توزيع النفوذ داخل سوق النفط، حيث تتحرك أبوظبي خارج المظلة القديمة بينما تحاول أوبك بلس إنقاذ صورتها بزيادة رمزية ورسائل وحدة متأخرة.

 

تراجع أوبك يفتح معركة نفوذ خليجية على السوق العالمية

 

تزامنًا مع خروج الإمارات، تجاهلت دول أوبك بلس التعليق المباشر على القرار في اجتماعها الأخير، وناقشت حصص سبعة أعضاء آخرين، وهذا الصمت لا يخفي الارتباك، بل يؤكد أن التحالف لا يريد الاعتراف بأن أحد أكبر منتجيه اختار طريقًا منفردًا.

 

على الجانب الآخر، ترى فاندانا هاري، مؤسسة فاندا إنسايتس، أن خروج الإمارات سحب جزءًا من الأرض من تحت أوبك بلس، لأن الكلفة السياسية للانسحاب انخفضت أمام أعضاء آخرين يعانون من قيود الحصص، خصوصًا حين تملك الدولة قدرة إنتاجية تفوق ما يسمح به التحالف.

 

لذلك تبدو السعودية أكثر الأطراف تعرضًا للاختبار، لأنها كانت تقود منطق الضبط داخل أوبك بلس، بينما جاءت أبوظبي لتقول إن زمن الصبر على الحصص انتهى، وإن الاستثمار في القدرة الإنتاجية لا معنى له إذا بقي معطلًا تحت سقف سياسي خارجي.

 

ثم تضيف تحركات أدنوك بعدًا صناعيًا للمعركة، لأن العقود الجديدة لا تستهدف الحقول فقط، بل تشمل التكرير والبتروكيماويات وسلاسل الإمداد المحلية، بما يعني أن أبوظبي لا تريد زيادة البراميل فحسب، بل تريد تحويل النفط إلى منصة نفوذ مالي وصناعي داخلية.

 

في المقابل، يدفع المواطنون في المنطقة فاتورة هذا السباق عبر الوقود والغذاء والنقل، لأن حرب مضيق هرمز رفعت المخاطر وأربكت الشحن، بينما تتصرف الحكومات النفطية كأن الأزمة فرصة لتوسيع العوائد، لا سببًا لمراجعة نموذج اقتصادي يحكمه الخام والسلاح والموانئ.

 

أخيرًا، يضع خروج أدنوك من قيد أوبك الخليج أمام مرحلة أكثر صراحة، حيث لم تعد الخلافات تُدار خلف بيانات فيينا، بل تظهر في عقود بمليارات الدولارات وحصص إنتاج وممرات بحرية مغلقة، والخلاصة أن أبوظبي كسرت القاعدة، بينما بقيت شعوب المنطقة داخل كلفة النفط والحرب.