شهدت مناطق في جنوب السودان تصعيداً دامياً جديداً مع مقتل العشرات في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدنيين كانوا في طريقهم لتقديم واجب العزاء، في حادثة تعكس اتساع رقعة العنف وتزايد استهداف المدنيين في ظل استمرار الحرب الدائرة في البلاد منذ نحو 3 أعوام.
وأفادت مصادر طبية ومحلية بمقتل 40 شخصاً على الأقل، غالبيتهم من النساء، إثر استهداف طائرة مسيّرة لشاحنة صغيرة كانت تقل عشرات الأشخاص على الطريق الرابط بين مدينتي أبو زبد والفولة. وكان الركاب في طريقهم إلى مدينة الفولة للمشاركة في مراسم عزاء، قبل أن تتحول الرحلة إلى مأساة إنسانية أودت بحياة العشرات في لحظات.
وقال مصدر طبي في مستشفى محلي بمدينة أبو زبد لوكالة فرانس برس إن الضحايا وصلوا إلى المستشفى بعد الهجوم، مؤكداً أن العدد الكبير للقتلى يعكس شدة الضربة التي أصابت الشاحنة مباشرة. وأضاف أن معظم الضحايا من النساء، فيما أصيب آخرون بجروح متفاوتة الخطورة.
من جهته، أوضح أحد سكان المنطقة، ويدعى حماد عبدالله، أن الشاحنة كانت تقل عائلات بأكملها متجهة إلى الفولة لتقديم واجب العزاء، مشيراً إلى أن عدداً من الضحايا ينتمون إلى أسرة واحدة. وأضاف أن جثامين القتلى دُفنت في مكان واحد بسبب حجم الكارثة التي ضربت المجتمع المحلي.
وفي حادثة منفصلة لكنها تعكس مستوى التصعيد ذاته، قُتل سبعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان. وأفادت مصادر طبية في مستشفى الدلنج بنقل 13 جريحاً إلى المستشفى لتلقي العلاج بعد الهجمات التي استهدفت مناطق سكنية في المدينة.
وأكد أحد سكان الدلنج أن عدة طائرات مسيّرة حلّقت فوق المدينة قبل تنفيذ الضربات، ما تسبب في حالة من الذعر بين السكان، خاصة مع سقوط القذائف بالقرب من منازل المدنيين.
وفي السياق نفسه، أدانت وزارة الخارجية التابعة للحكومة المرتبطة بالجيش ما وصفته بـ"استمرار اعتداءات مليشيا الدعم السريع على الأعيان المدنية والبنى التحتية الحيوية". وأشارت الوزارة إلى أن الهجمات طالت مدن الدلنج والأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، إضافة إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض.
وتأتي هذه التطورات في ظل احتدام المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خاصة بعد سيطرة الأخيرة على مدينة الفاشر، التي كانت آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور. ومنذ ذلك الحين، تحولت الأنظار العسكرية إلى إقليم كردفان الذي يُعد منطقة استراتيجية تربط دارفور بالمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش في شمال وشرق ووسط البلاد.
ويحظى الإقليم بأهمية اقتصادية كبيرة نظراً لاحتوائه على موارد نفطية وأراضٍ زراعية خصبة إضافة إلى ثروات معدنية، ما يجعله ساحة رئيسية للصراع بين الطرفين.
وكان الجيش السوداني قد أعلن في 26 يناير الماضي تمكنه، بدعم من قوات مساندة، من فك الحصار عن مدينة الدلنج الاستراتيجية في جنوب كردفان بعد معارك ضارية مع قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو. وكانت تلك القوات قد فرضت حصاراً مشدداً على المدينة لفترة طويلة ونفذت هجمات متكررة عليها باستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة.
وقبل أيام فقط، شنّت الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع هجوماً برياً جديداً على مدينة الدلنج، إلا أن الجيش أعلن تمكنه من صد الهجوم بعد مواجهات عنيفة.
وتندرج هذه الأحداث ضمن الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، منذ أبريل 2023، والتي تسببت في واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الصراع أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص داخل البلاد وخارجها.

