يكشف استهداف القنصلية الإماراتية في كردستان العراق للمرة الثانية خلال أسبوع حجم التدهور الذي يضرب بيئة الأمن الإقليمي، ويضع بغداد وأربيل أمام اختبار مباشر يتعلق بحماية البعثات الدبلوماسية لا بإصدار بيانات الإدانة فقط. الهجوم الجديد وقع السبت بطائرة مسيّرة، وأدى إلى إصابة 2 من عناصر الأمن وإلحاق أضرار بمبنى القنصلية، في لحظة يزداد فيها اشتعال الشرق الأوسط على وقع الحرب الدائرة في الإقليم.
لا تبدو الواقعة هنا حادثًا أمنيًا عابرًا يمكن احتواؤه بجملة بروتوكولية أو تحقيق شكلي. تكرار الضربة خلال أسبوع واحد يعني أن جهة ما تملك القدرة على الاختراق، وتعرف الهدف، وتختبر حدود الردع في منطقة شديدة الحساسية. والأسوأ أن البيان الإماراتي لم يذكر مصدر انطلاق المسيّرة، ما يوسّع مساحة الأسئلة حول الفاعلين، وحول قدرة السلطات العراقية والكردية على منع تحويل الإقليم إلى ساحة رسائل مسلحة في قلب الحرب الأوسع.
هجوم ثانٍ يفضح الثغرة
أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية، السبت 14 مارس، إدانتها الشديدة للهجوم الذي استهدف القنصلية العامة للدولة في كردستان العراق، وقالت بوضوح إنه الهجوم الثاني خلال أسبوع واحد. البيان وصف الاستهداف بأنه “هجوم إرهابي غادر” بطائرة مسيّرة، وأكد أن العملية أسفرت عن إصابة 2 من أفراد الأمن وأحدثت أضرارًا في مبنى القنصلية. هذا التوصيف لا يرفع فقط سقف الإدانة السياسية، بل ينقل الحادث من خانة الاعتداء الأمني المحدود إلى خانة التصعيد المباشر ضد بعثة دبلوماسية تتمتع بحصانة كاملة وفق القانون الدولي.
المعطى الأهم أن هذا الهجوم لم يأتِ من فراغ. قبل أيام فقط، وتحديدًا في 10 مارس، كانت القنصلية نفسها قد تعرضت لاستهداف آخر بطائرة مسيّرة، وأسفر آنذاك عن أضرار مادية من دون إصابات، بحسب البيانات المنشورة وقتها. وبين الهجومين لا تظهر في المجال العام مؤشرات ردع حقيقية، ولا معلومات حاسمة عن الجهة المنفذة، ولا إعلانًا واضحًا عن إجراءات أمنية استثنائية ضمنت عدم تكرار الاستهداف. حين تتكرر الضربة بهذه السرعة، فإن المشكلة لا تعود في “نية المعتدي” فقط، بل في هشاشة البيئة التي سمحت له بالمحاولة ثم بالعودة.
خرق دبلوماسي في قلب الحرب
شددت الإمارات في بيانها على أن استهداف البعثات والمقار الدبلوماسية يمثل انتهاكًا صارخًا للأعراف والقوانين الدولية، ولا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تكفل الحصانة الكاملة للمباني الدبلوماسية وموظفيها. هذا التوصيف ليس تفصيلًا قانونيًا. هو إعلان بأن المسألة تتجاوز حدود العراق الداخلية، لأن الاعتداء على قنصلية أجنبية يضع الدولة المضيفة كلها تحت سؤال المسؤولية، سواء كان التقصير في المنع، أو في الحماية، أو في الوصول السريع إلى الجناة.
وفي توقيت كهذا، تبدو خطورة الحادث مضاعفة. المنطقة أصلًا تعيش لحظة انفجار مفتوح، والحرب في الشرق الأوسط تدفع أطرافًا متعددة إلى توسيع ساحات الاشتباك والرسائل المتبادلة. لذلك فإن ضرب بعثة دبلوماسية إماراتية في كردستان لا يمكن فصله عن سياق إقليمي يتسم بالفوضى، ولا عن سعي قوى مسلحة أو أطراف مرتبطة بمحاور الصراع إلى توجيه رسائل تتجاوز حدود الموقع المستهدف نفسه. المشكلة أن العراق، بدل أن يكون حاجزًا أمام تمدد هذه الرسائل، يبدو مرة أخرى ساحة قابلة للاختراق.
بغداد وأربيل تحت الاختبار
الإمارات طلبت صراحة من حكومة جمهورية العراق وحكومة كردستان العراق التحقيق في ملابسات الهجوم، وتحديد الجهات المسؤولة، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان محاسبة المتسببين. هذا الطلب لا يحمل طابعًا دبلوماسيًا معتادًا فقط، بل يكشف تراجع الثقة في قدرة الإجراءات الروتينية على الردع. عندما تطالب دولة تعرضت قنصليتها لهجومين خلال أسبوع بالمحاسبة العلنية، فهي تقول ضمنًا إن الحماية السابقة لم تكن كافية، وإن التعهدات العامة لم تعد مقنعة.
الاختبار الآن ليس في فتح تحقيق جديد فحسب، بل في إنتاج نتيجة يمكن قياسها. من أطلق المسيّرة؟ من سهّل مرورها؟ ولماذا لم تُمنع الضربة الثانية بعد حادثة 10 مارس؟ هذه الأسئلة تحدد ما إذا كانت بغداد وأربيل تمسكان فعليًا بملف الأمن، أم أن أجزاء من المجال العراقي ما زالت مفتوحة أمام فاعلين يتحركون فوق سلطة الدولة أو على هامشها. وإذا بقيت الإجابات غائبة، فإن الرسالة التي ستخرج إلى الخارج ستكون أكثر قسوة من أي بيان: البعثات الدبلوماسية في العراق ليست آمنة بالقدر الكافي.
الحادثة تكشف أيضًا كلفة الفراغ السياسي في لحظة الحرب. فالدول لا تُقاس فقط بعدد بيانات الإدانة التي تصدرها بعد الانفجار، بل بقدرتها على منع الانفجار نفسه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمقار يفترض أنها الأكثر تحصينًا والأشد حساسية. وإذا كان الاستهداف الأول قد مرّ بأضرار مادية فقط، فإن سقوط 2 من عناصر الأمن في الهجوم الثاني يرفع مستوى الإنذار، ويؤكد أن التكرار السريع ليس تفصيلًا أمنيًا بل خللًا بنيويًا يجب التعامل معه باعتباره تهديدًا مباشرًا لمكانة العراق ولعلاقاته الدبلوماسية في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

