بقلم د.  طلعت فهمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..
"لن أعتذر عن العمل مع الله"! مقولة سطَّرها التاريخ في صحائف من ضياء لشهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب (رحمه الله)، حين ساوموه كي يحيد عن العهود بأسرها، ويكتب استرحامًا لينجو بنفسه من حبل المشنقة، فقال الشهيد: لن أعتذر عن العمل مع الله، وإن أصبع السبابة التي تشهد لله بالتوحيد في الصلاة تأبى أن تكتب كلمة تأييد لظالم.

هذه المقولة جالت بخاطري في احتفالية أقامتها جماعة "الإخوان المسلمون" بمناسبة مرور ثمانية وتسعين عامًا على تأسيس جماعتنا المباركة، تابعها الآلاف وشاهد فقراتها ملايين من المحبين والمؤيدين والمتابعين للجماعة شرق العالم وغربه، وحضرتها مؤسسات وأحزاب وهيئات وجمعيات وأطياف ورموز شرعية وثقافية وسياسية من مختلف البلاد والأرجاء، في ظل ظروف عالمية وإقليمية ومحلية ودعوية تتعرض فيها الدعوة لمخاض عنيف وحصار شديد وحرب ضروس، وضروب شتى من الأذى والتشويه، ومحاولات الإقصاء والمصادرة والتغييب، وقرارات التصنيف والوصم بالإرهاب المزعوم.

فقد جاء اجتماعنا على رأس ثمانية وتسعين عامًا، وقيادة ثمانية مرشدين كرام، وامتداد في المشارق والمغارب، بعد أن أضحت جماعة "الإخوان المسلمون" دعوة عالمية، يستوحي فهمها ويسترشد برؤيتها وتصوراتها أحزابٌ وجماعات، وهيئات ومؤسسات، وإن اختلفت المسميات، ولكن كان وما يزال همنا همًّا عالميًا، بهموم الأمة، في فلسطين وميانمار وكشمير وتركستان، وسائر البقاع في أفريقيا وآسيا والأميركتين وأوروبا وأستراليا.

إننا في بلدان الثورات العربية، وبالرغم مما نعانيه من محن وآلام يدفعها إخواننا ثمنًا للحرية، إلا أن لنا إخوة في المشارق والمغارب في قارات العالم كله لا يعيشون مثل ظروفنا، ووجب علينا أن ندعمهم في فكرتهم وفي منهجهم، وأن يروا راية الجماعة عالية خفاقة لم تسقط، وأن الجماعة التي عرفوها ما زالت قائمة ترفع راية الإسلام وتذود عن المسلمين في هذه الأوقات العصيبة.

أما إخواننا الذين يعانون - خاصة داخل مصر - فإن ثقتنا في وعيهم بطبيعة المرحلة وظروفها والسهام الموجهة إلينا، ثقة كبيرة على قدر تضحيات هذا الصف العظيم ووفائه وبذله لدعوته، وعلينا ألا ندع مجالًا للشيطان، ولا لمهيجٍ أو محرضٍ بعلمٍ أو غير علمٍ، أن يفسد صفاء قلوبنا.. أو أن يشوِّش علينا نقاء أخوتنا.. أو أن يشكك في تواصل أرواحنا عبر المحن والأزمات.

 

في مواجهة التحديات العالمية

إن المتابع لمجريات الأحداث يدرك حجم التحديات التي تواجه دعوتنا في عالم تتقاطع فيه مشروعات عالمية يراها الناس رأي العين، خاصة في المشروع الصهيوني الذي يقول عنه الإمام البنا: "إن الصهيونية ليست حركةً سياسيةً قاصرةً على الوطن القومي لليهود أو الدولة المزعومة بالتقسيم الموهون، ولكنها ثمرة تدابير وجهود اليهودية العالمية التي تهدف إلى تسخير العالم كله لحكم اليهود ومصلحة اليهود وزعامة مسيح صهيون، وليست دولتهم الخيالية التي يعبِّرون عنها بجملتهم المأثورة (من الفرات إلى النيل) في عرفهم إلا نقطة ارتكاز تنقضُّ منها اليهودية العالمية على الأمة العربية دولة فدولة، ثم على المجموعة الإسلامية أمة بعد أمة".

فنحن أمام مشروع صهيوني يتساند مع مشروع صليبي جديد، فيقول ستيف بانون (كبير مستشاري ترامب الاستراتيجيين 2017): "نحن في حرب عالمية ضد الإسلام السياسي، والإخوان المسلمون هم العقدة المركزية". مشروع صليبي، عبر عنه وزير الدفاع الأمريكي حين قال: "على الصليبيين الأمريكيين الجدد أن يستعيدوا ثقافة الصليبيين الأوائل في تصديهم لجحافل المسلمين في القرن الثاني عشر".

وكما كتب سيبستيان غوركا، كبير مديري مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، على منصة إكس: "والآن نبدأ في القضاء على جماعة الإخوان بأكملها". وظهر غوركا على شبكة نيوز ماكس، وهي شبكة يمينية، مشيرًا إلى أهمية قرار تصنيف جماعة "الإخوان المسلمون" كجماعة إرهابية، معتبرًا أنها "لحظة تاريخية فارقة"!

فيرى القاصي والداني كيف تتكالب السهام وتوجَّه كل الضربات لجماعة "الإخوان المسلمون" قيادةً ومنهاجًا وصفًّا في هذه الأوقات تحديدًا؛ بُغية وأد فكرتنا وإيهامًا للناس أن الجماعة قد ماتت وانتهى أمرها، فإذا عرفنا مراد أعدائنا وجب علينا ألا نكون عونًا لهم في تحقيق أهدافهم.

 

الإخوان المسلمون وحضور واجب

إن هذه التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية تستوجب من جماعة الإخوان المسلمون أن تكون حاضرة في المشهد تجمع القلوب وتنبه إلى هذه التحديات في مثل هذه الملتقيات العالمية التي لا يجب أن تتخلف عنها الجماعة، دون أن يزايد أحد عليها قيادةً وصفًّا في أمر إخواننا المعتقلين والمطاردين والذين هم حبات القلب وثمرة الفؤاد والروح التي تسري في أجسادنا، ونفوسنا لهم الفداء، عسى أن يكون فيها الغناء، ونحن والله لا يطمئن لنا حال ولا يقر لنا قرار في مهجرنا لآلامهم ومعاناتهم، ونستشعر عذاباتهم وتضحياتهم رجالًا ونساءً وأطفالًا، ونعلم علم اليقين أنهم سند ثورتنا وعماد دعوتنا، ويأتي حفلنا واجتماعنا تلبية لما وصلنا من رغبتهم في أهمية ظهور الإخوان وعدم غيابهم عن الساحة.

لقد جاءت هذه المناسبة لتذكر جماعة الإخوان المسلمون الجميع أنها ماضية في طريقها خلف مرشدها المؤتمن الأستاذ الدكتور محمد بديع، والقائم بعمله الأستاذ الدكتور محمود حسين، دون تردد أو وجل، داعية كل من سلك طريقًا واستبان له خطأ اجتهاده أو توقف عن العمل لشبهة في نفسه؛ فإن الجماعة تقول له إن قلوبنا متواصلة معك وأيدينا ممتدة إليك لتكون مع إخوانك الموفين بعهدهم وبيعتهم.

إن المطالب التي تخرج من البعض حول حل الجماعة وخروجها من معترك الحياة، ومحاولات البعض لجر الجماعة إلى الفضاء الإلكتروني بعيدًا عن أعرافها التنظيمية وأدبيات الدعوة، يستوجب على الجماعة أن تكون حاضرة أمام الجميع، وهي لا تألو جهدًا في دراسة أوضاعها وأحوالها في ظل ظروف غير مواتية، غاب فيها قادتها ورجالاتها في السجون والمعتقلات.

 

منطلقات شرعية

لقد كانت وستظل اختياراتنا شرعية تستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، مسترشدة بمعايير فقه المصالح والمفاسد، ومستصحبة الواقع وفقه المقاصد، ناظرة إلى المآلات، مرجحة بين الاختيارات في إطار الشرع والدين.

فالإسلام يهتم أيما اهتمام بالحالة المعنوية والنفسية للأفراد؛ فحين كانت غزوة أحد بكل تبعاتها وآثارها نزل الوحي يمسح الصدور {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، ولأن الحزن قاتل وقد يكون مؤيِّسًا ومثبطًا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن".

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يُردَّ على أبي سفيان بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم مشجوجًا يعاني آثار الجراحات، فلقن عمر بن الخطاب أن يرد على أبي سفيان: "الله أعلى وأجل.. الله مولانا ولا مولى لكم.. لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار".

وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خرج أهلها لاستقباله بالأناشيد والدفوف، وكان هناك معتقلون في قريش مقيدون بالحديد طوال اليوم والليل.. معذبون موجعون، ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يستودعهم الله عز وجل الذي لا تضيع ودائعه.

وقد كان هناك مطاردون مهاجرون في الحبشة يعيشون في مجتمع نصراني تحيط بهم الفتن من كل جانب، وكانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان يوم الرجيع وبئر معونة في صفر سنة 4، وكانت مقتلة عظيمة للمسلمين، ولم يُعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلمين عن ممارسة متطلبات حياتهم وإقامة أعراسهم وولائمهم والفرحة في أيام أعيادهم، وإنما مكث شهرًا يقنت في صلاته ويدعو الله عز وجل على من قتل أصحابه.

كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة سبعٌ وعشرون غزوة وقرابة ثلاثة وستين سرية وأربعة عشر بعثًا، ارتقى فيها شهداء إلى جنات النعيم، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين من الاحتفال بالأعياد، وأن يلعب الحبشة بالحراب في المسجد، وأن يقف صلى الله عليه وسلم من أجل أن تستند السيدة عائشة رضي الله عنها على كتفيه وتشاهد لعب المسلمين في المسجد.

 

شكر وتقدير

لقد كان من فضل الله على جماعة الإخوان المسلمون أن جمع الله عليها قلوب الناس، وهو ما بدا واضحًا في الفعالية الأخيرة والتي جاءت في ذكرى مرور 98 عامًا على التأسيس والتي شاركنا فيها جمع كبير من الهيئات والأحزاب والمؤسسات والأوقاف، والجمعيات التركية، وإخواننا في الجماعة الإسلامية في باكستان والهند وكشمير، وأفغانستان وتركستان وميانمار، ومصر وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والسودان واليمن، وأريتريا والصومال وعموم أفريقيا، وفلسطين، وسوريا ولبنان والعراق.

فاللهم إنا نسألك يا ربنا فرقانًا كفرقان بدر، وفتحًا كفتح مكة، ويومًا للقدس كحطين، وعزًّا كعز يوم فتح عمورية، وفرحة كفرحة دخول الأندلس، نجتمع فيها بأسرانا، ونجتمع فيها بشعبنا، وتعود العزة والكرامة للمواطنين، وما ذلك على الله بعزيز ولا بعيد.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.