تكشف أزمة الطائرات الخليجية التي اتجهت إلى مطار القاهرة خلال مارس 2026 عن ملف مالي أكبر من مجرد إجراء تشغيلي مؤقت، لأن المسألة لا تتعلق فقط باستقبال طائرات متوقفة بسبب الحرب، بل بعوائد دولارية محتملة من خدمات الإيواء والانتظار والمناولة وعبور الأجواء والإقامة الفنية وأطقم التشغيل.
وفي وقت يواجه فيه المواطن زيادات في الوقود وتذاكر السفر، تتسع الأسئلة حول حجم ما دخل فعليًا إلى خزائن الجهات المشغلة، وحول ما إذا كانت هذه الموارد تُدرج بوضوح في الموازنة العامة أم تبقى موزعة داخل حسابات وهيئات لا يراها الرأي العام.
تبدأ المشكلة من غياب الشفافية لا من أصل الخدمة نفسها.
فالتقارير المتداولة تحدثت عن توقف طائرات تابعة للخطوط القطرية والكويتية في مطار القاهرة بسبب الحرب، كما ربطت بين هذا التوقف وبين رسوم كبيرة على الخدمات الأرضية والملاحية، لكن الخطاب الرسمي والإخباري المتاح ركز على الجانب التشغيلي ولم يقدم كشفًا ماليًا تفصيليًا يوضح قيمة ما حُصل، ومن الجهة التي حصلته، وكيف دخل إلى الحسابات العامة.
هذا الفراغ هو ما يحول موردًا دولاريًا محتملًا إلى سؤال سياسي ومالي مفتوح: أين تذهب أموال المطار حين تتضاعف أهمية المجال الجوي المصري في أوقات الأزمات؟
إيرادات محتملة بلا إفصاح
تؤكد المواد المنشورة أن مطار القاهرة استقبل عددًا من الطائرات القطرية والكويتية للتخزين المؤقت خلال مارس، بعد اضطراب الملاحة الجوية في الخليج، وأن شركات الطيران لجأت إلى مصر كحل تشغيلي احترازي لحماية أساطيلها من تداعيات الحرب.
كما أظهرت تقارير أخرى أن المجال الجوي المصري تحول منذ أواخر فبراير إلى ممر رئيسي لرحلات أوروبا-آسيا والخليج، مع مرور مئات الطائرات فوق الأراضي المصرية بعد إغلاق مجالات جوية مجاورة.
هذا التحول يعني بالضرورة وجود رسوم إضافية مرتبطة بعبور الأجواء والخدمات اللوجستية في المطارات، لأن تقارير متابعة الحركة الجوية أوضحت أن رسوم العبور تُحتسب وفق المسار ووزن الطائرة، وتتراوح عادة بين 110 و1000 دولار للطائرة الواحدة ضمن النظام الدولي للملاحة الجوية.
لكن المشكلة أن الرقم الضخم المتداول عن تحصيل نحو 200 مليون دولار شهريًا من الخطوط القطرية والكويتية ظهر في تقارير ومنشورات إعلامية ثانوية، من دون أن يصاحبه حتى الآن بيان مالي منشور من وزارة الطيران أو شركة ميناء القاهرة الجوي يثبت قيمة التحصيلات بندًا بندًا.
ويكتسب هذا الغياب وزنه لأن وزارة الطيران نفسها أعلنت في يونيو 2025 أن مطار القاهرة استقبل 9 طائرات أجنبية في أوقات متقاربة بغرض التزود بالوقود بعد تعديل المسارات، وأنه جرى تقديم دعم فني ولوجستي لها ثم أقلعت سريعًا. معنى ذلك أن الدولة تعرف أن الظروف الإقليمية تصنع طلبًا استثنائيًا على خدمات المطارات المصرية، لكنها لا تقدم للرأي العام إطارًا واضحًا لمحاسبة هذا المورد أو لقياس أثره الحقيقي على إيرادات الدولة في وقت الضغوط المالية.
ويقول فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن شركات أجنبية عاملة في مصر، بينها شركات طيران وطاقة، اشتكت سابقًا من صعوبة تحويل أرباحها بالدولار إلى الخارج بسبب نقص النقد الأجنبي، كما أشار إلى أن التدفقات الدولارية تساعد على الوفاء بالالتزامات الدولية. أهمية هذا الكلام هنا أن أي حصيلة دولارية من رسوم العبور أو الخدمات الأرضية ليست تفصيلًا محاسبيًا صغيرًا، بل مورد يفترض أن يكون ظاهرًا ومُدارًا بوضوح في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى كل دولار متاح.
مسافر يدفع أكثر والدولة لا تشرح
تتفاقم الأزمة لأن المواطن يرى الكلفة مباشرة ولا يرى الإيراد. ففي مارس نشرت تقارير عن وصول سعر رحلة العودة من دبي إلى القاهرة إلى نحو 165 ألف جنيه، وارتفاع بعض المقاعد من الدمام إلى القاهرة إلى 73 ألف جنيه، ما فجر موجة غضب بين المصريين العالقين في الخليج. وفي المقابل، لا توجد شفافية موازية تشرح للناس ما إذا كانت الزيادات التي دخلت إلى قطاع الطيران من عبور الأجواء وتخزين الطائرات والخدمات الأرضية خففت شيئًا من الضغوط على القطاع أو على الخزانة العامة.
هذا التناقض يجعل ملف مطار القاهرة جزءًا من أزمة توزيع أعباء لا أزمة تشغيل فقط. فحين يُطلب من المسافر دفع أسعار استثنائية، ومن المواطن تحمل زيادات الوقود والتضخم، يصبح من حقه أن يعرف ماذا جنت الدولة من استثنائية الحرب نفسها، خاصة عندما تتحول الأجواء المصرية إلى مسار بديل وتتحول الساحات الأرضية في المطار إلى مخازن مؤقتة لأساطيل خليجية.
ويقول مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن نقص النقد الأجنبي خلال الفترة الماضية تسبب في تراكم مديونيات على الدولة تجاه شركات أجنبية، لأن مستحقاتها مقومة بالدولار. هذه الملاحظة تفسر لماذا لا يجوز التعامل مع إيرادات المطارات وكأنها أموال هامشية أو إدارية فقط، بل يجب النظر إليها كجزء من إدارة الموارد الدولارية الشحيحة التي تؤثر في سداد الالتزامات وتمويل الاحتياجات الأساسية.
موازنة غائبة ومساءلة مؤجلة
المشكلة الأعمق أن عوائد الهيئات والجهات الاقتصادية في مصر كثيرًا ما تُناقش خارج منطق الإفصاح الكامل للموازنة. فقد قال خالد زكريا، مستشار وزير المالية الأسبق، إن إصلاح الموازنة العامة يتطلب إدارة موارد مالية أفضل، وتدقيقًا ماليًا ومحاسبة وتقارير ومساءلة خارجية، كما أشار إلى أهمية تكامل الموازنة بحيث تشمل معظم موارد الدولة. هذا الكلام ينطبق مباشرة على قطاع الطيران، لأن أي إيراد استثنائي من عبور الأجواء أو تشغيل المطارات يفقد قيمته العامة إذا لم يكن ظاهرًا داخل نظام رقابة ومحاسبة مفهوم.
ومن هنا يصبح السؤال المشروع ليس: هل قدم مطار القاهرة خدمة مدفوعة للطائرات الخليجية؟ بل: كم بلغت هذه الخدمة فعليًا، وأين سُجلت، ومن راجعها، وهل دخلت ضمن الموارد العامة التي يفترض أن تخفف الضغط على الموازنة؟ استمرار الصمت على هذه الأسئلة يفتح الباب لتضخم أرقام غير موثقة من جهة، ولإخفاء حق الجمهور في المعرفة من جهة أخرى، وهو ما يزيد أزمة الثقة بين المواطن والدولة في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية.
المشهد إذن لا يحتاج إلى مديح ولا إلى تهوين. ما يحتاجه هو رقم رسمي منشور، وجدول تفصيلي، ورقابة معلنة على عوائد المطار والملاحة الجوية خلال فترة الحرب. ومن دون ذلك سيبقى مطار القاهرة مثالًا آخر على مورد عام يتحرك في الظل، بينما تُنقل الكلفة علنًا إلى جيب المواطن، وتُترك العوائد الكبيرة المحتملة بلا تفسير واضح ولا مساءلة حقيقية.

